أبو شريف رباح
22\10\2026
لم يعد الموت الذي يلاحق الفلسطينيين محصوراً في الحروب والقsصف والدdمار بل بات يطاردهم أيضاً في البحار حيث يركب الشبان الفلسطينيون البحر بقوارب التهريب المتهالكة هرباً من واقع اللجوء القاسي وبحثاً عن حياة كريمة ومستقبل أفضل، فإذا بأحلامهم تتكسر على أمواج البحر وتتحول رحلتهم إلى مأساة جديدة تضاف إلى سجل معاناة الفلسطينيين، فتحت وطأة الحرhوب الإسرائيلية المتواصلة على فلسطين ولبنان وفي ظل الفقر والبطالة وشحّ فرص العمل وتراجع مقومات الحياة في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان وسوريا يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام خيارات صعبة لا سيما أولئك الذين أنهكتهم سنوات اللجوء وضاقت أمامهم سبل العيش وأصبحوا عاجزين عن تأمين أبسط احتياجات أسرهم.
وأمام هذا الواقع المرير يختار بعضهم خوض رحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحر باتجاه أوروبا على أمل الوصول إلى مكان يوفر لهم الأمان والعمل والاستقرار ويمنحهم فرصة لمساعدة عائلاتهم وانتشالها من الفقر والحاجة، لكن قوارب التهريب التي لا تتوافر فيها أدنى شروط السلامة تتحول إلى مصائد للموت خصوصاً عندما تواجه الأمواج العاتية والرياح القوية في عرض البحر، إنها حكايات مؤلمة لشبان في مقتبل العمر غادروا مخيماتهم وهم يحملون أحلاماً كبيرة وودّعوا أهلهم على أمل اللقاء مجدداً بعد أن تتحسن أحوالهم، تركوا خلفهم أمهات ينتظرن اتصالاً يطمئنهن وآباء يعلّقون آمالهم على أبنائهم وأطفالاً يحلمون بمستقبل أفضل، لكن بعض هذه الرحلات تنتهي بفاجعة لا يمكن للكلمات أن تصف قسوتها، وبدلاً من أن يعود هؤلاء الشباب إلى ذويهم بما يسند حياتهم أو ينجحوا في الوصول إلى برّ الأمان تتحول أجسادهم إلى ضحايا تتقاذفها الأمواج بعيداً عن الأهل والوطن وتتحول لحظة الوداع الأخيرة إلى ذكرى موجعة وتبقى العائلات معلّقة بين الرجاء والخوف تنتظر خبراً قد لا يأتي أو تتلقى نبأً يبدد ما تبقى لديها من أمل.
إن المأساة لا تكمن في غرق قارب فحسب بل في الظروف التي تدفع الشباب إلى ركوبه وهم يدركون حجم المخاطر فحين يصبح البحر بما يحمله من أخطار خياراً يراه الشاب أقل قسوة من البقاء في واقع يفتقر إلى الأمان وفرص العمل والأفق فإن ذلك يستدعي وقفة جادة أمام الأسباب التي تدفعه إلى الهجرة وليس الاكتفاء بالحزن على الضحايا بعد وقوع الكارثة، ومن هنا فإن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الشباب وحدهم ولا يجوز اختزالها في تحميلهم مسؤولية قرارات اتخذوها تحت ضغط الحاجة واليأس بل تتطلب تحركاً جدياً لتوفير مقومات الحياة الكريمة للاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا وتوسيع فرص العمل أمامهم ودعم المؤسسات والخدمات الأساسية في المخيمات، إلى جانب تعزيز التعاون الإنساني لحماية المهاجرين واللاجئين من شبكات التهريب والاستغلال وتوفير طرق آمنة وقانونية للهجرة لمن يضطرون إلى البحث عن مستقبل خارج أماكن إقامتهم.
وفي الوقت نفسه لا بد من التمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها وفق القرارات الدولية ذات الصلة وعدم التعامل مع هجرتهم باعتبارها بديلاً عن هذا الحق أو حلاً نهائياً لقضيتهم، فالبحث عن حياة كريمة لا يلغي حق العودة كما أن استمرار المعاناة لا ينبغي أن يحوّل الرحيل القسري إلى قدر محتوم للأجيال الفلسطينية المتعاقبة.
إن شباننا الذين يغامرون بحياتهم في قوارب الموت ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار بل هم أبناء مخيمات تحمل ذاكرة النكبة وأسر أنهكها الفقر والانتظار وأحلام كان يمكن أن تجد طريقها إلى الحياة لو توافرت لها أبسط مقومات الكرامة والاستقرار، فإلى متى سيبقى البحر مقبرة لأحلام شبابنا؟ وإلى متى ستظل عائلاتنا تدفع ثمن اللجوء والحروب وغياب فرص الحياة؟ إن إنقاذ الشباب من قوارب الموت يبدأ بإنقاذهم من اليأس وبمنحهم أسباب البقاء والحياة الكريمة، لا بتركهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، البقاء في المعاناة أو المغامرة بالموت، فشباب فلسطين يستحقون الحياة ويستحقون مستقبلاً لا تنتهي فيه أحلامهم تحت مياه البحر، بل تتحقق فيه كرامتهم وأمنهم وحقهم في العيش بسلام.