recent
أخبار ساخنة

الموت معنا والموت لنا





في البحر والبر في الزوايا المعتمة وفي لُجّة الأمواج، و تحت الضوء. هذه رحلتنا في هذا العالم الظالم، رحلة شعبٍ حُرم من أبسط حقوقه وطاردته المخاوف في كل درب حتى غدا الأمن حلمًا والأمان أمنيةوالعدالة غائبة خلف جدران الصمت. 

شبابٌ ركبوا الموج لا بحثًا عن رفاهية الحياة بل هربًا من واقعٍ أثقلته المعاناة واعتداءات دائمه من احتلال غاشم وحرمان مزمن من ابسط الحقوق المدنيه والاجتماعيه والانسانيه وحلمًا بالوصول إلى شواطئ اليونان حيث ظنّوا أن خلف البحر متّسعًا للأمان وبدايةً جديدة. أبحروا في مسارٍ كلّه ظلام يحملون في قلوبهم خوفًا لا يُقال وأملًا يتشبّث بالحياة وذكريات أرضٍ ضاقت بهم حتى صار البحر بكل ما فيه من مخاطر، نافذةً نحو المجهول.

لم يكونوا يعلمون ما الذي ينتظرهم خلف الأمواج فالبحر لا يعد أحدًا بالنجاة ولا يعرف وجوه الذين يعبرونه. كانوا يريدون الوصول أن يلمسوا أرضًا لا يطاردهم فيها الخوف وأن يستيقظوا يومًا دون أن يكون الموت أول ما يفكّرون فيه. لم يكونوا يبحثون عن المستحيل بل عن حقّهم في حياةٍ كريمة وعن مكانٍ يشعرون فيه بالأمان وعن مستقبلٍ لا تبتلعه العتمة.

هكذا يعيش الفلسطيني معلّقًا بين الخوف والرجاء يبحث عن مكانٍ لا يطارده فيه الموت وعن عالمٍ يعترف بأن له حقًا في الحياة مثل سائر البشر. فليس أقسى من أن يصبح البقاء على قيد الحياة معركةً يومية وليس أشدّ مرارةً من أن يضطر الشباب إلى وضع أحلامهم في قاربٍ صغير ومواجهة بحرٍ مجهول بحثًا عن أمانٍ افتقدوه على اليابسة.

لم يكن البحر وطنهم لكنّهم أبحروا إليه بحثًا عن حياةٍ لم يجدوها على اليابسة.

وكم من حلمٍ ظلّ معلّقًا بين زرقة البحر وسواد المجهول وكم من قلبٍ حمل الرجاء وهو يخشى الغرق إنهم شبابٌ حملوا أحلامهم في قارب وتركوا خلفهم عتمةً لعلّهم يجدون على الضفة الأخرى ضوءًا يشبه الحياة.

سامي الطيّار
محمد مبدي
علاء الدين النابلسي 
وأحمد فاعور

لم يكونوا مجرّد أسماءٍ تُضاف إلى قوائم الضحايا، بل كانوا كيانًا نابضًا بالحياة وأحلامًا لم تكتمل ومستقبلًا كان ينتظرهم وقلوبًا تنبض بالأمل وأرواحًا تستحق أن تعيش كانوا أبناءً وأحبّةً وكان لكلّ واحدٍ منهم حكاية وبيتٌ ينتظر عودته وأهلٌ تعلّقوا بأمل اللقاء فإذا بالبحر يسرق منهم أغلى ما يملكون.

رحلوا، وبقي السؤال يصرخ في وجه هذا العالم مَن يُحاسَب على أحلامٍ دُفنت تحت الأمواج؟ مَن يُسأل عن أرواحٍ لم تطلب سوى فرصةٍ للحياة وعن شبابٍ دفعهم غياب الأمن والأمان والعدالة إلى مواجهة المجهول؟

أيُّ عالمٍ هذا الذي يضطر فيه الإنسان إلى مصارعة الأمواج كي يصل إلى شاطئٍ يمنحه حقّ الحياة؟ وأيُّ عدالةٍ هذه التي تجعل مصير الشباب معلّقًا بين قاربٍ هشّ وبحرٍ لا يرحم؟

إنّهم ليسوا أرقامًا وليسوا مجرّد أخبارٍ عابرة إنّهم بشر لهم أسماء ووجوه وأحلام ولهم أهلٌ سيظلّون ينتظرون أصواتهم وطرقاتهم على الأبواب وذكرياتٌ ستبقى حيّةً مهما طال الغياب.

رحم الله سامي الطيّار ومحمد مبدي وعلاء الدين النابلسي وأحمد فاعور وأسكنهم فسيح جناته.

ولذويهم وأحبّتهم خالص العزاء وصادق المواساة، نسأل الله أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يربط على قلوبهم في هذا المصاب الأليم.

رحلوا عن الدنيا لكنّ أسماءهم ستبقى شاهدةً على حكاية وجعٍ لا ينبغي أن تتكرّر وعلى أحلامٍ كان من حقّ أصحابها أن يعيشوها لا أن يتركوا خلفهم البحر شاهدًا أخيرًا على رحيلهم.
جمال خليل
٢٢/ ١٠ / ٢٠٢٦




google-playkhamsatmostaqltradent