recent
أخبار ساخنة

*لماذا تمنع واشنطن الوفد الفلسطيني من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؟*





أبو شريف رباح
19\9\2026

مرة أخرى تجد القضية الفلسطينية نفسها في مواجهة سياسة أميركية تحاول تقييد حضورها في المحافل الدولية وهذه المرة من بوابة تأشيرات الدخول إليها بعدما رفضت واشنطن منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعضاء من الوفد الفلسطيني التأشيرات اللازمة للمشاركة حضوريا في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في خطوة تكررت للعام الثاني على التوالي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، لماذا تخشى واشنطن أن يصل صوت الرئيس الفلسطيني إلى قاعة الأمم المتحدة؟ ولماذا تتحول تأشيرة الدخول إلى أداة سياسية في قضية يفترض أن تكون في صميم عمل المنظمة الدولية؟ إن المسألة تتجاوز شخص الرئيس محمود عباس أو أعضاء الوفد الفلسطيني، لتطال حق فلسطين في أن تكون حاضرة وأن تخاطب المجتمع الدولي وأن تطرح رؤيتها ومطالبها أمام ممثلي دول العالم.

الإدارة الأميركية تبرر موقفها بجملة من الأسباب اللامنطقية من بينها ما تعتبره عدم تنفيذ إصلاحات كافية داخل السلطة الفلسطينية، ومواقف مرتبطة بما تسميه مكافحة الإرhهاب "أي قطع رواتب الشhهداء والاسرى والجرحى" إضافة إلى غضبها واعتراضها على التحركات الفلسطينية في المؤسسات الدولية ومنها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وعلى المساعي الفلسطينية للحصول على اعترافات دولية بالدولة الفلسطينية خارج إطار المفاوضات المباشرة، غير أن هذه المبررات تطرح سؤالاً جوهريا، إذا كان المسار التفاوضي الذي رعته الولايات المتحدة على مدى سنوات لم ينجح في إنهاء الاحtتلال وإقامة الدولة الفلسطينية فلماذا يُطلب من الجانب الفلسطيني التخلي عن الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة له في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية؟ لقد أصبح اللجوء إلى المؤسسات الدولية جزءا أساسيا من التحرك الفلسطيني السياسي والقانوني خصوصا بعد حصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012 بقرار أيدته أغلبية كبيرة من الدول الأعضاء، وفي هذا السياق فإن منع القيادة الفلسطينية من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري لأنه يأتي في لحظة تخوض فيها فلسطين معركة سياسية وقانونية واسعة من أجل تثبيت حقوق شعبها على الساحة الدولية.

وقد جاء الرد الدولي واضحاً ففي 17 أيلول/سبتمبر 2026 صوتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول مع امتناع أربع دول لصالح قرار يتيح للرئيس محمود عباس مخاطبة الجمعية العامة عبر كلمة مسجلة ويسمح للمسؤولين الفلسطينيين بالمشاركة عن بعد في عدد من الاجتماعات ذات الصلة، هذه النتيجة تعكس اتساع التأييد الدولي لحق فلسطين في المشاركة والتعبير كما تؤكد أن منع الوفد الفلسطيني من الحضور شخصيا لم يؤدي إلى تغييب القضية عن جدول أعمال الأمم المتحدة.

تثير السياسة الأميركية تجاه فلسطين تساؤلات متزايدة حول ازدواجية المعايير، فواشنطن ظاهريا تؤكد استمرار دعمها للسلام وحل الدولتين والعودة إلى المفاوضات لكنها في الوقت نفسه تتخذ إجراءات ضد التحركات الفلسطينية في المؤسسات الدولية بينما تواصل تقديم دعم سياسي وأمني وعسكري واسع لإسرائيل، كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب تحركات المحكمة المرتبطة بملف فلسطين في وقت تواصل فيه المحكمة النظر في قضايا تتعلق بالوضع في الأراضي الفلسطينية، ومن وجهة النظر الفلسطينية فإن هذه السياسات تجعل الولايات المتحدة طرفا منحازا في الصراع أكثر من كونها وسيطا قادرا على التعامل مع الطرفين بالمعايير نفسها.

ان تحويل القضايا المتعلقة بالإصلاح الفلسطيني أو الحوكمة أو الأداء السياسي إلى مبرر لمنع القيادة الفلسطينية من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة يفتح نقاشا أوسع حول حياد الدولة المضيفة وحدود مسؤوليتها تجاه المنظمة الدولية، فالأمم المتحدة ليست ملكا لدولة واحدة والجمعية العامة ليست منصة أميركية بل هي الإطار الدولي الذي يفترض أن تلتقي فيه الدول والأطراف لعرض مواقفها ومناقشة القضايا المطروحة على جدول أعمال المنظمة، قد تمنع واشنطن الرئيس الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك لكنها لا تستطيع منع فلسطين من مخاطبة المجتمع الدولي، وقد أثبت قرار الجمعية العامة الأخير أن محاولة منع الحضور الشخصي لا تعني إسكات الصوت الفلسطيني، إذ أتاحت للأخير المشاركة عبر الوسائل الافتراضية وإيصال موقفه إلى ممثلي دول العالم، وهنا تتحول قضية التأشيرات من محاولة لتقييد الحضور الفلسطيني إلى مناسبة جديدة لإظهار حجم التأييد الدولي للقضية الفلسطينية، ففلسطين لا تستمد حقها في الحديث أمام العالم من موافقة دولة واحدة وإنما من حضورها في الأمم المتحدة ومن القرارات الدولية التي أكدت حقوق الشعب الفلسطيني ومن الدعم الذي تحظى به من غالبية أعضاء المجتمع الدولي.

وأمام هذه التطورات تبرز مسؤولية الدول العربية والإسلامية في الانتقال من بيانات الاستنكار إلى خطوات سياسية ودبلوماسية جماعية أكثر وضوحا، فبإمكان هذه الدول استخدام ثقلها داخل الأمم المتحدة للمطالبة بضمان مشاركة الوفد الفلسطيني وطرح مسألة القيود المفروضة عليه أمام الهيئات المختصة والتأكيد على ضرورة احترام التزامات الدولة المضيفة تجاه المنظمة الدولية، كما يمكنها بحث خطوات دبلوماسية جماعية بما فيها إعادة النظر في مستوى المشاركة الرسمية في بعض الاجتماعات والفعاليات إذا استمر منع الوفد الفلسطيني من الحضور بحيث تكون هناك رسالة واضحة بأن تغييب فلسطين لا يمكن أن يصبح أمرا عاديا أو مقبولا، إن التحرك العربي والإسلامي الموحد من شأنه أن يمنح الموقف الفلسطيني دعما سياسيا إضافيا وأن يؤكد أن القضية الفلسطينية ليست قضية طرف واحد وإنما قضية ترتبط بالأمن والسلام والاستقرار في المنطقة وبمبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

في النهاية ليست القضية قضية تأشيرة أو مشاركة في اجتماع وإنما قضية حق فلسطين في أن تكون حاضرة في المؤسسات الدولية وأن تخاطب العالم بنفسها، قد تستطيع واشنطن منع مسؤول فلسطيني من دخول نيويورك لكنها لا تستطيع منع القضية الفلسطينية من الوصول إلى المجتمع الدولي ففلسطين ستبقى حاضرة في الأمم المتحدة وستواصل طرح مطالبها وحقوق شعبها وستظل قضية الاحتلال والحرية والاستقلال وحق تقرير المصير مطروحة على جدول أعمال العالم مهما تعددت محاولات تقييد حضورها أو إسكات صوتها.
google-playkhamsatmostaqltradent