في كل مرة يُعلن فيها عن الإفراج عن دفعة من الأسرى الفلسطينيين، تعمّ مشاعر الفرح بعودة من أمضوا سنوات طويلة من أعمارهم في سجون الاحتلال دفاعاً عن شعبهم وقضيتهم. غير أن خلف هذه الفرحة قصة أخرى أقل ظهوراً وأكثر إيلاماً، يعيشها الأسرى المحررون اللذين فُرض عليهم الإبعاد خارج وطنهم، وفي مقدمتهم أولئك الذين يقيمون اليوم في جمهورية مصر العربية.
فالإبعاد ليس إجراءً عابراً، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه، وحرمانه من محيطه الاجتماعي والوطني، في مخالفة لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر النقل القسري والإبعاد عن الأرض المحتلة.
لقد أراد الاحتلال، من خلال هذه السياسة، أن يحرم الأسير من أكثر ما انتظره طوال سنوات اعتقاله: لحظة العودة إلى أهله وأرضه. فخرج هؤلاء من السجون، لكنهم لم يصلوا إلى الوطن، بل وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد فرضته عليهم الغربة، والانفصال عن العائلة، وغياب الاستقرار.
وتزداد قسوة هذا الواقع حين يجد الأسير، بعد سنوات طويلة من الأسر، نفسه مضطراً إلى بدء حياة جديدة في مكان لم يختره، بينما يبقى قلبه معلقاً بفلسطين، ويحمل حلماً لا يفارقه: العودة إلى وطنه.
ولا شك أن جمهورية مصر العربية قدّمت موقفاً إنسانياً مقدراً باستضافة الأسرى المبعدين وتوفير ما أمكن من التسهيلات لهم، إلا أن حجم الاحتياجات والتحديات التي يواجهها هؤلاء يتطلب استجابة وطنية أكثر شمولاً وتنظيماً، تنطلق من حقيقة أن رعاية الأسير لا تنتهي عند لحظة الإفراج عنه، بل تبدأ بعدها مرحلة جديدة من المسؤولية تجاهه.
فالأسرى المحررون المبعدون يواجهون تحديات عديدة، تبدأ من الحاجة إلى الاستقرار القانوني والمعيشي، ولا تنتهي عند الرعاية الصحية والنفسية، وتأمين مصادر دخل تحفظ كرامتهم، وتوفير فرص التعليم والتأهيل، وتسهيل التواصل مع عائلاتهم، ومتابعة أوضاعهم بصورة مستمرة. وهذه الاحتياجات لا ينبغي أن تبقى رهينة المبادرات الفردية أو الحلول المؤقتة، بل تستدعي خطة مؤسساتية واضحة ومستدامة.
اليوم يعيش الأسرى الفلسطينيون المحررون المبعدون واقعاً بالغ الصعوبة، بعيداً عن مدنهم وقراهم، وعن أمهاتهم وآبائهم وأبنائهم الذين انتظروا سنوات طويلة لحظة اللقاء. خرجوا من زنازين الاحتلال، لكنهم ما زالوا يواجهون قيد الغربة والانتظار، ويحملون ألم الفراق وقلق المستقبل، في ظروف استثنائية فرضت عليهم دون اختيار.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها القيادة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني، ووزارة الخارجية والمغتربين، والسفارة الفلسطينية في القاهرة، والمؤسسات الأهلية والحقوقية، إضافة إلى القطاع الخاص وأبناء الجاليات الفلسطينية، للعمل بصورة تكاملية تضمن توفير حياة كريمة للأسرى المبعدين، وتحفظ كرامتهم التي دافعوا عنها سنوات طويلة خلف القضبان.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب تشكيل لجنة وطنية مختصة بمتابعة أوضاع الأسرى المبعدين، تتولى حصر احتياجاتهم، ووضع آليات واضحة للاستجابة لها، والتنسيق مع الجهات المصرية الشقيقة بما يضمن أفضل الظروف الممكنة لإقامتهم، إلى جانب مواصلة التحرك السياسي والقانوني لإنهاء سياسة الإبعاد باعتبارها انتهاكاً لحقوقهم، والتمسك بحقهم الأصيل في العودة إلى وطنهم.
إن الأسرى المحررين المبعدين لم يختاروا المنفى، ولم يغادروا وطنهم بإرادتهم، بل فُرض عليهم ذلك بقرار من الاحtتلال. ولذلك فإن الحفاظ على كرامتهم، وصون حقوقهم، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم، ليس مجرد موقف تضامني أو استجابة ظرفية، بل هو واجب وطني وأخلاقي وإنساني.
لقد دفع هؤلاء من أعمارهم وشبابهم أثماناً باهظة من أجل فلسطين، ومن حقهم اليوم أن يشعروا بأن وطنهم حاضر معهم أينما كانوا، وأن مؤسساته لم تنسهم، وأن تضحياتهم تجد ترجمتها في رعاية حقيقية تليق بما قدموه.
إن الرسالة إلى كل صاحب مسؤولية واضحة: الأسرى المحررون المبعدون ليسوا ملفاً عابراً، بل أمانة وطنية تستوجب التحرك العاجل. فالحرية لا تكتمل بالإفراج من السجن وحده، وإنما تكتمل حين يحيا الأسير بكرامة، ويستعيد حقه في العودة إلى وطنه، ويجد من يقف إلى جانبه حتى تتحقق تلك العودة.
الأسرى المحررون المبعدون مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل.
الكاتبة الاء عليان
