بقلم المهندس صدر داوود
في الوداع الأخير، لم يكن أحمد حريري مجرّد اسمٍ يُحمل على الأكتاف، بل كان حكاية كاملة تمشي بين الناس ثم ترحل تاركةً في القلوب فراغًا يشبه الوطن.
المشهد كان أثقل من الكلام؛ وجوهٌ يلفّها الحزن، رجالٌ يخفون دموعهم خلف الصمت، وأمهاتٌ يرفعن الدعاء بأيدٍ مرتجفة، فيما كانت طفلته الصغيرة "مريم" تقف بين الجموع كأنّها تختصر وجع الدنيا كلّه.
كانت تنظر حولها ببراءةٍ موجوعة، كأنّها تبحث عن يد أبيها التي اعتادت أن تمنحها الأمان، غير مدركة أنّ الآباء الذين يشبهون أحمد لا يغيبون عن البيوت فقط، بل يتركون غيابًا يسكن مدينةً كاملة من القلوب.
أحمد لم يكن عابرًا في هذه الحياة.
كان ابن بيتٍ جنوبيٍّ يعرف معنى الأرض قبل الكلام، ومعنى الكرامة قبل الراحة.
تربّى على حكايات الصمود التي سكنت ذاكرة الجنوب، وعلى سيرة جدّه"ابا يوسف" أحد المجاهدين الأوائل الذين واجهوا الاحتلال بإيمان الناس البسطاء وصلابتهم.
ومن في الجنوب لا يعرف قصة ذلك الرجل الذي، حين دمّر الاحتلال بيته، لم يغادر المكان ولم يرفع الراية البيضاء، بل نصب خيمة فوق الركام وبقي هناك، يحرس الأرض والذاكرة والكرامة؟
تحوّل يومها إلى رمزٍ من رموز الصمود، لأنّه أدرك أنّ البيوت قد تُهدَم، لكنّ أصحاب الأرض الحقيقيين لا يرحلون.
في ذلك البيت كبر أحمد، وعلى تلك الحكايات تشكّل وجدانه.
لذلك لم يكن غريبًا أن يختار طريق الناس، وأن يحمل حقيبة الإسعاف بدل أن يهرب من وجع الآخرين.
كان المسعف الذي يصل قبل الجميع، يركض نحو الخطر فيما يهرب الآخرون، يحمل قلبًا مليئًا بالرحمة ووجهًا يعرف كيف يزرع الطمأنينة .
لم يكن يرى في الإسعاف مهنة، بل رسالة إنسانية تشبه تربيته الأولى، وتشبه الجنوب الذي علّمه أن الإنسان يُقاس بما يقدّمه للناس.
وفي الوقت نفسه، كان إعلاميًا يعرف قيمة الكلمة والصورة والحقيقة.
كان يؤمن أنّ نقل وجع الناس أمانة، وأنّ الشهادة على الألم ليست أقلّ قداسة من إنقاذ الجرحى.
جمع بين المهنة والرسالة؛ بين اليد التي تضمّد الجراح، والعين التي توثّق الحقيقة، لذلك بدا رحيله كأنّه انطفاء لصوتٍ كان يشبه الناس جميعًا.
ورفاقه المسعفون الذين رحلوا معه، لم يكونوا مجرّد أسماءٍ أخرى في خبرٍ عاجل.
كانوا أبناء التعب والسهر والخطر، أولئك الذين اعتادوا أن يدخلوا إلى الأماكن التي يخافها الجميع، فقط لأنّ هناك إنسانًا يحتاج إلى نجدة.
كانوا يشبهون الضوء في قلب العتمة، وحين رحلوا، شعر الكثيرون أنّ شيئًا من الأمان قد انكسر.
في لحظة الوداع، بدا المكان كلّه وكأنّه يبكي.
الهواء مثقلٌ بالحزن، والوجوه متعبة من الفقد، والحنين يمرّ بين الناس كأنّه صلاة صامتة.
لم يكن المشهد وداع مسعفين فقط، بل وداع مرحلة كاملة من الوفاء والتضحية والصدق.
كل زاوية كانت تروي ذكرى، وكل دمعة كانت تقول إنّ هؤلاء لم يكونوا أشخاصًا عاديين، بل قلوبًا عاشت للناس ورحلت بينهم.
يا أحمد،
أيُّ أثرٍ تركته في القلوب؟
وأيُّ حنينٍ هذا الذي يجعل الناس يشعرون أنّ الجنوب فقد واحدًا من أبنائه الحقيقيين؟
ستمضي الأيام، وستهدأ الأصوات، لكن صورتك وأنت تحمل حقيبة الإسعاف، أو تقف لتروي الحقيقة، ستبقى حيّة في ذاكرة الناس.
ستبقى كما بقيت صورة جدّك فوق ركام البيت المدمر؛ رمزًا لصمودٍ لا ينكسر، وإنسانيةٍ لا تموت، ووفاءٍ لا يغيب.
رحم الله أحمد حريري ورفاقه المسعفين،
أولئك الذين عاشوا للناس، فرحلوا تاركين خلفهم وجعًا كبيرًا، وذكرياتٍ تشبه الضوء… لا تنطفئ.
#احمد_حريري
#علي_غساني
#حسين_قصير
صور في:23 ايار 2026
المهندس صدر داوود

