أبو شريف رباح
21\3\2026
في شهر آذار حين تتساوى ساعات الليل والنهار وتتفتح الزهور وتورق الأشجار وتتعشّش الطيور، يحتفي العالم بالأم التي تهب الحياة معنى وتمنح البيت دفئه وتزرع في القلوب أول بذور الرحمة والحنان، في هذا الشهر تتزين الكلمات بالحب وتمتلئ الأيدي بالهدايا وترفع عبارات الامتنان للأمهات في كل مكان.
لكن وسط هذا المشهد الإنساني الجميل تقف الأم الفلسطينية في مكان آخر من الوجع في مشهد مختلف تماما حيث لا تتساوى الأمهات كما لا تتساوى الأوطان تحت الظلم والاحتلال، فللأم الفلسطينية وحدها حكاية من الصبر لا تشبهها حكاية، ولها من الألم ما يفوق قدرة الكلمات على الوصف.
هي أم لا تنتظر باقة ورد بل تنتظر خبرا يطمئنها على ابن خرج ولم يعد، ولا تنتظر هدية ثمينة بل تأمل أن يمر النهار من دون قصف وأن ينجو أطفالها من الجوع والخوف والبرد، هي أم يمر عليها عيدها مثقلة بالفقدان محاطة بالقلق محمولة على أكتاف الدعاء والصبر والرجاء.
في غزة تبدو الأم الفلسطينية عنوانا للمأساة والصمود معا، هناك لا تبحث عن زينة الاحتفال بل عن مأوى يحمي عائلتها من برد الليل وحر الخيام، وتبحث عن كسرة خبز تسد رمق أطفالها وعن علبة حليب لرضيعها وعن دواء لجريحها وعن جرعة ماء في أرض أنهكها الحصار والدمار، تراها تصلح خيمتها بيديها تحت المطر والسيل تجمع ما تبقى من قماش مهترئ وخشب مكسور لتمنع الريح من اقتحام وجعها، ثم تشعل ما تبقى من أثاث منزلها لتطهو ما تيسر لعائلتها وكأنها في كل مرة تعيد اختراع الحياة من بين الركام.
وفي الضفة الغربية لا يقل وجع الأم الفلسطينية قسوة فهي تعيش على وقع اقتحامات الاحتلال واعتقال الأبناء ومداهمة البيوت وحرق الممتلكات وترويع الأطفال، تنام على خوف وتصحو على قلق وتخفي دموعها حتى لا ينهار من حولها تحمل هم ابن في السجن وآخر يلاحقه الاحتلال بتهديده المستمر، هي أم تعرف أن أبناءها يكبرون بسرعة في وطن مسلوب وأن طفولتهم تسرق على الحواجز وتحت فوهات البنادق وفي ظلال المستوطنات التي تلتهم الأرض.
أما في الشتات فالأم الفلسطينية تعيش وجها آخر من المعاناة لا يقل مرارة عن معاناة الداخل، هناك تتقاسم حياتها بين قسوة اللجوء ومرارة النزوح وبين الفقر والحرمان وضيق الحال تحت هدير الطائرات وصوت الصواريخ المرعبة، تحمل ذاكرة وطن لم تراه لكنها تحفظه في وجدانها كما تحفظ أسماء أبنائها الذين ربتهم على حلم بالعودة وزرعت فيهم حب فلسطين رغم قسوة المنافي وتعب المخيمات وفي كل مرة تهجر فيها وتنزح تثبت أن الخيمة لا تكسر الانتماء وأن الجوع لا ينتزع الكرامة وأن الأم الفلسطينية حتى وهي مثقلة بالتعب تبقى حارسة الذاكرة والهوية.
الأم الفلسطينية ليست فقط أما لعائلتها بل هي أم لقضية ولحكاية شعب ولصبر طويل لم ينكسر رغم كل المحن، هي التي تودع أبناءها إلى المعتقلات وإلى ساحات المواجهة وتصلي في سرها أن يعودوا سالمين، وهي التي تخبئ وجعها لتمنح من حولها القوة وتؤجل دموعها لتبقي البيت واقفا، ولو كان البيت خيمة أو غرفة مهدمة أو ركنا ضيقا في مدرسة إيواء، لهذا حين يحتفل بالأم في هذا العالم فإن الأم الفلسطينية تستحق أكثر من وردة وأكثر من قصيدة وأكثر من يوم في السنة، تستحق أن ترفع لها القبعات وأن تنحني أمام عظمتها القامات لأنها الأم التي دفعت من قلبها وعمرها وأبنائها وبيتها وأحلامها ثمنا باهظا، لكنها لم تتخل عن رسالتها ولم تنكسر أمام العاصفة ولم تفقد إيمانها بأن الفجر لا بد آت مهما طال الظلام.
تحية للأم الفلسطينية في غزة، في الضفة، في القدس، في المخيمات والتجمعات وفي كل بقعة من هذا العالم تحمل فيها أم فلسطينية وجعها بصمت وكبرياء، تحية ليدها المتعبة، لعينها الساهرة، لقلبها المثقل بالفقد، لثباتها أمام المآسي، ولعطائها الذي لا ينضب، فهي ليست فقط أما تنجب الأبناء بل أما تنجب الصبر وتصنع الأمل وتحرس الذاكرة وتبقي فلسطين حية في القلوب جيلاً بعد جيل، وتبقى الكلمات مهما بلغت بلاغتها أقل من أن توفيها بعض حقها.

