recent
أخبار ساخنة

معركة الكرامة: حين انكسر الوهم الإسرائيلي وهُزم “الجيش الذي لا يُقهر”




أبو شريف رباح
20/3/2026


في الحادي والعشرين من آذار عام 1968، سطّرت الثورة الفلسطينية، ممثلة بـ"قوات العاصفة" الجناح العسكري لحركة "فتح"، في بلدة الكرامة الأردنية، صفحة مشرقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. فقد تحولت الكرامة من بقعة جغرافية هادئة على ضفاف نهر الأردن إلى رمز للصمود والتحدي، حيث التقت على مقربة من تراب فلسطين إرادة المقاتل الفلسطيني بعزيمة الجندي الأردني، في واحدة من أقسى وأهم المعارك التي خاضتها الثورة الفلسطينية بعد نكسة حزيران عام 1967.


وجاءت معركة الكرامة في سياق إقليمي بالغ الحساسية، عقب تداعيات النكسة التي تركت جرحًا عميقًا في الوجدان العربي، ورسخت صورة تفوق عسكري إسرائيلي بدا للكثيرين أنه عصيّ على الكسر. لكن تلك الصورة سرعان ما بدأت تتهاوى عندما شنت إسرائيل هجومًا واسعًا على قواعد الفدائيين الفلسطينيين في الكرامة، بهدف القضاء على العمل الفدائي واستعادة هيبتها العسكرية.


ومع بزوغ فجر ذلك اليوم، بدأت الطائرات الإسرائيلية قصفها المكثف على مواقع الفدائيين، بالتزامن مع تقدم القوات البرية عبر جسر اللنبي باتجاه الشونة الجنوبية والكرامة. إلا أن المفاجأة لم تكن في حجم الهجوم الإسرائيلي، بل في طبيعة الرد الفلسطيني المزلزل، والمدعوم بمدفعية الجيش الأردني، حيث أبدى فدائيو "قوات العاصفة" مkاومة شرسة قلبت موازين التوقعات والحسابات الإسرائيلية.


وقد قاد المواجهة من الجانب الفلسطيني القادة ياسر عرفات وصلاح خلف وخليل الوزير، الذين جسدوا نموذج القيادة الميدانية الملتصقة بالمقاتلين، فخاض الفدائيون المعركة بكفاءة وإقدام نادرين. وفي المقابل، جاء الهجوم الإسرائيلي بقيادة موشيه دايان وحاييم بارليف، اللذين اعتمدا على تفوق عسكري كبير مدعوم جويًا، غير أن طول أمد الاشتباكات، التي استمرت لأكثر من خمس عشرة ساعة، أظهر أن الإرادة القتالية الفلسطينية كانت أقوى من ميزان القوة العسكرية الإسرائيلية.


وانتهت المعركة بانسحاب القوات الإسرائيلية تجر أذيال الخيبة، بعد أن تكبدت خسائر بشرية ومادية فادحة، تاركة خلفها آليات مدمرة شكلت دليلًا ملموسًا على شراسة المواجهة. ولم يكن هذا الانسحاب مجرد تراجع ميداني، بل حمل دلالات سياسية ومعنوية عميقة، إذ أعاد الثقة إلى الشارع العربي، وأثبت أن الهزيمة ليست قدرًا محتومًا على الأمة العربية.


ومن هنا، شكلت معركة الكرامة نقطة تحول مفصلية في مسار العمل الفدائي الفلسطيني، فارتفعت مكانة المkاومة الفلسطينية في الوعي العربي، وتزايد الإقبال على الانخراط في صفوفها، ولتبقى الكرامة في الذاكرة العربية أكثر من مجرد معركة؛ إنها لحظة استعادة للثقة المفقودة، ودليل حي على أن الشعوب التي تؤمن بحقها وتتمسك بأرضها قادرة على كسر قيود الهزيمة. لقد كانت الكرامة، بكل ما حملته من تضحيات، عنوانًا لمرحلة جديدة عنوانها الصمود، ورسالة خالدة بأن الإرادة الحرة لا تُقهر مهما بلغت قوة الأعداء.
google-playkhamsatmostaqltradent