recent
أخبار ساخنة

قلوب على مرافئ الموت.. ووداع يمزق الروح





​ما أصعب تلك اللحظات التي تتشح فيها مخيمات لبنان بالسواد، حين تقف العائلات الفلسطينية على حافة الوجع، تودع أبناءها، لتزفهم إلى "قوارب الموت" عبر أمواج البحر الهائجة بين تركيا واليونان؛ هرباً من جحيم واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط يعصر الأنفاس.
​شباب في مقتبل العمر، مثل ورود الربيع المتفتحة، يلقون بأنفسهم في أتون مخاطر عمياء، يبحثون عن وميض أمل يضيئون به عتمة أيامهم وأسرهم. رحلة شاقة تبدأ من مرارة التخطيط وابتزاز سماسرة الموت والمهربين، ولا تنتهي بليل العبور على خطى من سبقوهم إلى "الحلم الأوروبي".
​ولكن، وللأسف الشديد، جاءت الفجيعة التي أدمت القلوب؛ حين امتدت يد خفر السواحل اليوناني لتصدم بقسوة قوارب المهاجرين، فابتلعت الأمواج الحاقدة بعضاً من أبناء مخيماتنا الأحباء. وكان من بين الغرقى الشاب علاء النابلسي، فلذة كبد صديقنا العزيز "أبو علاء" (محمد)، الذي نقف بجانبه اليوم نتقاسم معه مرارة هذا المصاب الجلل الذي هزّ وجدان مخيمنا الحبيب بأسره.
​إن هذه الفجائع المتكررة التي تعصف بأبناء مخيماتنا يجب أن تكون ناقوس خطر يقرع ضمائر المسؤولين عن شعبنا؛ لتقديم حلول جذرية ترفع هذا الطوق الخانق عن كاهل العائلات الفلسطينية. الجميع أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية، والكل مطالب بالتحرك الفوري لئلا يبقى شبابنا يركضون نحو "قوارب الموت" لتتقاذف أمواج البحر أحلامهم وطموحاتهم على أعتاب أبواب أوروبا المغلقة.
​أخي وصديقي العزيز محمد، يا من عهدتك صابراً مكافحاً من عائلة عصامية قدمت الغالي والنفيس لأجل فلسطين.. كل المواساة والدعم لقلبك المكلوم بفقدان سندك وفلذة كبدك "علاء".
​صبراً يا أبا علاء، واحتسب ابنك شهيداً؛ فعلاء لم يذهب عبثاً، بل قدم حياته ثمناً لمحاولة تغيير واقع مرير سلبه فرصة إكمال تعليمه الجامعي ومستقبله. إنه كالفارس الذي امتشق حلمه في وجه اليأس والظلم والقهر، تماماً كمقاوم يذود عن كرامته.
​ما أقسى هذه الأيام! وما أصعب ساعات الفراق والانتظار، حيث يظل العقل تائهاً والقلب يردد بلا توقف: "هل وصل؟ أم ما زال يصارع أمواج البحر؟"
​وداعاً يا علاء.. وداعا لمن حمل في صدره وطناً من الآمال، وسقط شهيداً في بحر المصاعب والتحديات التي لا تزال تعصف بشبابنا الفلسطيني.
​لعل دماءك الطاهرة وهذا الحادث المؤلم يكونان صرخة أيقظت من يعنيهم الأمر، لدفعهم نحو إيجاد حلول حقيقية تمنع تجار الموت من التلاعب بمصير شبابنا، وتغنينا عن توديعهم في مراكب الموت مجدداً.

بقلم : محمد يوسف
google-playkhamsatmostaqltradent