"ليبانون ديبايت"
لم تعد التطورات المحيطة بمرتفعات علي الطاهر تُقرأ بوصفها معركة موضعية انتهت بإعلان إسرائيل فرض "السيطرة العملياتية" على التلة.
فما أعقب هذا الإعلان من غاrرات واشتباكات وتوسّع في رقعة الاستهداف نقل القلق إلى النبطية وجبل الريحان، وفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة: هل شكّلت علي الطاهر نهاية العملية الإسرائيلية، أم أنها تحولت إلى نقطة انطلاق نحو عمق جغرافي جديد؟
خلال الأيام الماضية، طالت الغاrرات الإسرائيلية كفررمان والنبطية الفوقا وعربصاليم وطريق سجد–الريحان، بالتزامن مع استمرار القصف وعمليات التفجير في عدد من القرى الجنوبية. كما أعلن الجيش الإسرائيلي وقوع اشتباك قرب مرتفعات الشقيف، قال إنه أسفر عن إصابة جنديين بجروح طفيفة ومقtتل عنصر ادّعى انتماءه إلى "حزzب الله".
لا تثبت هذه التطورات، حتى الآن، وجود قرار إسرائيلي باجتtياح النبطية أو جبل الريحان. لكنها تؤكد أن دائرة العمليات اتسعت بعد معركة علي الطاهر، وأن الاستهداف لم يعد محصوراً بمداخل التلة ومنشآتها، بل امتد إلى طرق وأحياء ومبانٍ سكنية ومنشآت مدنية ضمن نطاق جغرافي أوسع.
وبحسب معلومات دبلوماسية غربية متداولة في بيروت، يجري التعامل بجدية مع احتمال انتقال العمليات الإسرائيلية، بعد استكمال ما تصفه تل أبيب بتدمير البنية العسكرية في علي الطاهر، إلى أنفاق ومنشآت تزعم وجودها في مناطق لبنانية أخرى.
غير أن هذه المعطيات تبقى في إطار التقديرات ولم تقترن، حتى الآن، بأدلة ميدانية تثبت تحديد أهداف أو محاور لعملية برية جديدة.
في الإعلام الإسرائيلي، يُقدَّم المشهد على أن الجيش يعمل على تدtمير ما تبقى من بنى تحتية في محيط علي الطاهر، تمهيداً لإعادة الانتشار على خط دفاعي جديد. وفي المقابل، تتهم الرواية الإسرائيلية "حزzب الله" بمحاولة الحفاظ على منشآته العسكرية واستنزاف القوات الإسرائيلية وجرّها إلى مواجهة أوسع.
لكن مصطلح "إعادة الانتشار" لا يعني بالضرورة انسحاباً كاملاً من الأراضي اللبنانية. فالتقارير الإسرائيلية تتحدث عن تمركز محتمل على خط جديد يبعد ما بين كيلومترين و4 كيلومترات عن الحدود، مع إنشاء نحو 20 موقعاً ثابتاً وربط عودة السكان إلى بعض المناطق التي قد تُخليها القوات الإسرائيلية بنتائج المفاوضات المرتقبة.
وفي حال تثبيت هذا التصور ميدانياً، ستكون إسرائيل أمام إعادة رسم لمنطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، بعمق أقل من بعض الطروحات السابقة، ولكن مع مواقع دائمة وقدرة نارية ورقابية تتيح التحكم بحركة السكان والطرق المحاذية.
من هنا تبرز حساسية جبل الريحان. فالمنطقة تشكل عقدة جغرافية تربط النبطية بجزين والبقاع الغربي وأجزاء من الجنوب، كما تشرف مرتفعاتها على طرق حركة أساسية.
وأي انتقال للعمليات من علي الطاهر باتجاهها سيعني أن الهدف تجاوز تدمير منشأة عسكرية محددة إلى فرض نطاق مراقبة أوسع والتحكم بمحاور يُشتبه في استخدامها للحركة والإمداد.
أما تكثيف الضربات في محيط النبطية، فيحتمل قراءتين متوازيتين: الأولى عسكرية، ترتبط بمحاولة منع "حزzب الله" من إعادة بناء قدراته أو نقلها إلى مناطق خلفية؛ والثانية سياسية، تقوم على استخدام الضغط الناري لرفع الكلفة على لبنان ودفعه إلى تقديم تنازلات خلال الجولة التفاوضية المقبلة.
لبنانياً، يرى المسؤولون أن استمرار العمليات الإسرائيلية يقوّض الاتفاق والمسار الدبلوماسي. وقد شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن الاعتداءات لن توفر الأمن لسكان الحدود، داعياً إسرائيل إلى الالتزام بالاتفاق الذي أُبرم برعاية أميركية ودعم عربي وأوروبي.
وبين الروايتين اللبنانية والإسرائيلية، تبقى الوقائع الميدانية هي المعيار. المطلوب اليوم توثيق مواقع القوات الإسرائيلية، ومراقبة عمليات شق الطرق وإقامة التحصينات وهدم المباني، ومقارنة صور الأقمار الاصطناعية المتعاقبة، لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل تستعد فعلاً للانسحاب أم تنقل حدود احتلالها من خط إلى آخر.
وفق الرواية الإسرائيلية، انتهت معركة علي الطاهر بسقوط التلة عسكرياً.
لكن التداعيات الجغرافية والسياسية للعملية لم تنتهِ. والخشية أن تكون التلة قد شكّلت بداية مرحلة جديدة، تنتقل فيها إسرائيل من السيطرة على نقطة مرتفعة إلى محاولة رسم حزام أمني أوسع يمتد تأثيره نحو النبطية والريحان.
حتى الآن، لا دليل على أن معركة جديدة حُسم قرارها. لكن اتساع رقعة النار، وتبدّل خطوط الانتشار، والحديث الإسرائيلي عن مواقع دائمة، مؤشرات لا تسمح بالتعامل مع ما جرى في علي الطاهر بوصفه حدثاً انتهى عند حدود التلة.

