recent
أخبار ساخنة

عبء يتجاوز طاقة العائلات: الدروس الخصوصية في مخيم البص تكوي كاهل الأهالي وتستنزف لقمة العيش


محمد سليمان عبد الرازق 

في ظل ظروف الاقتصاد المخنوق والأزمات المعيشية الخانقة التي تضرب أطنابها في لبنان، تطفو على السطح أزمة إضافية تزيد من هموم العائلات الفلسطينية في المخيمات: ظاهرة الارتفاع الفاحش في تكاليف الدروس الخصوصية. 

ولم تعد هذه الظاهرة مجرد خيار لرفع مستوى الطالب، بل تحولت إلى عبء إجباري يُثقل كاهل أولياء الأمور الذين يجدون أنفسهم بين فكي الملاقط: إما تأمين مستلزمات التعليم الخصوصي لبناء مستقبل أبنائهم، أو العجز عن سداد التكاليف في ظل تراجع القدرة الشرائية لليرة وارتفاع أسعار كافة مقومات الحياة.

مخيم البص: خصوصية الجغرافيا وغلاء الأقساط
على الرغم من أن المخيمات الفلسطينية في منطقة صور (كالرشيدية وبرج الشمالي) تتشارك الهموم ذاتها، إلا أن مخيم البص يشهد ضغطاً مضاعفاً في هذا الملف تحديداً. 

فبسبب موقعه الجغرافي المتاخم لمدينة صور وقربه من المدارس والمراكز التعليمية، أصبحت الأسعار فيه تقارب، وفي أحيان كثيرة توازي، الأسعار المعتمدة خارج المخيم، دون مراعاة للخصوصية الاقتصادية لسكان المخيمات الذين يعتمد معظمهم على أجور يومية بسيطة أو مساعدات غير منتظمة.
وفي مقارنة سريعة مع المخيمات المجاورة، يلاحظ الأهالي أن تكلفة المادة الواحدة في مخيم البص تسجل مستويات أعلى بشكل لافت. فعلى سبيل المثال، تصل تكلفة المتابعة لأحد الطلاب في ثلاث مواد دراسية أساسية إلى ما يقارب 100 دولار أمريكي شهرياً!

هذا الرقم يعتبر بمثابة صدمة مالية لرب أسرة قد لا يتجاوز دخله الشهري بأكمله هذا المبلغ أو يزيد عنه بقليل. كيف لأسرة في مخيم البص لديها طفلان أو ثلاثة في المدارس أن توفر مئات الدولارات شهرياً للدروس الخصوصية، إلى جانب المصاريف التشغيلية اليومية من اشتراك المولد، والمواد الغذائية، وأدوات المدرسة الأساسية؟

شهادات من الواقع: التعليم لم يعد مجانياً
"لم نعد قادرين على التوفيق بين لقمة العيش ودراسة الأبناء"، بهذه الكلمات يعبر أحد أولياء الأمور في مخيم البص عن حرقته. ويضيف: "عندما يطلب معلم أو معلمة مبلغ 100 دولار لمتابعة ثلاثة مواد فقط، فهذا يعني حرمان البيت من أساسيات الطعام والشراب لأيام. نحن لا نمانع أن يأخذ المعلم حق تعبه، لكن يجب أن يكون هناك حد أدنى من الإنسانية والمراعاة للأوضاع الاجتماعية التي نمر بها جميعاً".

إن اللجوء إلى الدروس الخصوصية لم يعد رفاهية، بل فرضته عدة عوامل، أبرزها الاكتظاظ في الصفوف الدراسية وضيق الوقت المتاح للمتابعة الفردية داخل المدارس. 

ومع ذلك، تحول الحل الإضافي إلى مشكلة أعمق، حيث بات المفهوم التجاري يتغلب في كثير من الأحيان على الرسالة التربوية.

نداء ونخوة إلى المعلمين والمعلمات: ارحموا من في الأرض

من هذا المنطلق، يوجَّه نداء عاجل ومباشر إلى المعلمين والمعلمات، وخاصة المربين والمربيات من أبناء المخيم أنفسهم: ارحموا الأهالي وتذكروا الرسالة الإنسانية للتعليم.

إن التعليم كان وما زال أقدس مهنة وأسمى رسالة، والمعلم هو سند المجتمع في أوقات الأزمات. 

إن المطالبة بمبالغ تصل إلى 100 دولار لقاء ثلاث مواد تُعد إجحافاً كبيراً بحق أهالي مخيم البص، وتجاهلاً صارخاً للواقع الاجتماعي والمالي المعدوم الذي تعيشه أغلبيتهم.

إن التخفيف عن كاهل الأهالي، عبر مراعاة الأسعار، أو تقديم اشتراكات رمزية، أو اعتماد المجموعات الطلابية بتكلفة مخفضة، ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو واجب أخلاقي وإنساني وشعبوي يفرضه الانتماء لهذا المخيم الصامد.

ختاماً، إن الاستثمار في عقول أبنائنا يجب ألا يتحول إلى تجارة تُثقل كاهل الفقراء.
 المطلوب اليوم من القائمين على العملية التعليمية والفعاليات التربوية في مخيم البص وضع ضوابط أخلاقية وتحديد سقوف منطقية للدروس الخصوصية، ليبقى التعليم حقاً متاحاً للجميع، لا حكراً على من يستطيع دفع البدل بالدولار.

google-playkhamsatmostaqltradent