![]() |
| الصورة تعبيرية |
موقع البص الإلكتروني
مرارة النزوح رحلة البحث عن أمان مفقود وكلفة باهظة حين يقرر اللاجئ الفلسطيني حزم ما تيسر من أمتعته
ومغادرة منزله خوفاً على حياة أطفاله، فإنه لا يتوجه نحو نزهة، بل نحو دوامة معقدة من الأزمات النفسية، الاجتماعية، والاقتصادية.
1. مراكز الإيواء الجماعي.. سجن الخصوصية والمشاكل العائلية
إذا كان الملاذ هو المدارس أو قاعات المساجد والمراكز العامة، فإن أول ما يفقده اللاجئ هو "الخصوصية". العيش في صفوف مدرسية تضم عائلات متعددة يخلق بيئة خصبة للتوتر المستمر والمشاكل العائلية الناتجة عن الاكتظاظ، واختلاف الطبائع، وضيق المساحة. كما يبرز هاجس الخوف الدائم على الأطفال من الضياع أو التعرض للمخاطر وسط هذه الجموع الفوضوية.
2. هواجس السرقات وفقدان الممتلكات
يفارق اللاجئ بيته وعينه على ما تركه خلفه. يتملكه رعب يومي من تعرض منزله للسرقة والنهب في غيابه. وحتى في مكان نزوحه العام، يظل قلقاً على أشيائه الشخصية اللصيقة؛ هاتفه المحمول الذي يربطه بالعالم، سيارته المتروكة في الشارع، أو حتى القليل من المدخرات التي يحملها بين يديه.
3. جنون الإيجارات ومصيدة المنازل الخاصة
أما من يرفض الذل في مراكز الإيواء الجماعي ويبحث عن شقة خاصة، فيصطدم بواقع مالي مرير. فالإيجارات تحلق عالياً، وتُضاف إليها تكاليف يومية باهظة تُنهك كاهل النازح:
اشتراكات الكهرباء والمياه.
تكاليف شبكات الإنترنت(التي باتت ضرورة لمعرفة الأخبار والاطمئنان على الأقارب).
مصاريف المعيشة الأساسية في مناطق النزوح التي تعاني أصلاً من الغلاء.
4. البطالة التامة
في بيئة النزوح الجديدة، يصبح الحصول على فرصة عمل أمراً شبه مستحيل للاجئ الفلسطيني، الذي يواجه أصلاً قيوداً قانونية وضغوطاً اقتصادية في الظروف العادية، مما يعني نفاد مدخراته (إن وجدت) بسرعة قياسية.
5. المفارقة الصادمة: بيوت مغلقة وإيجارات تُطالب بالدفع!
فوق كل تلك الأعباء، تبرز مأساة مادية ونفسية غير مسبوقة للنازحين الذين كانوا يستأجرون منازل داخل المخيمات أو في محيطها؛ فرغم أنهم غادروها قسراً وأصبحت بيوتهم مغلقة ومهجورة تحت القصف، إلا أن أصحاب العقارات ما زالوا يطالبونهم بدفع بدلات الإيجار شهرياً دون مراعاة لأوضاعهم، مما يضع اللاجئ تحت ضغط الديون المتراكمة لبيوت لا يسكنها، وإيجارات جديدة لأماكن نزحه إليها.
الخيار الثاني: البقاء تحت النار.. صمود يغازل الموت في كل ثانية
في المقابل، يختار البعض الآخر البقاء في منازلهم داخل مخيمات صور، معتبرين أن خروجهم هو تكرار لسيناريو اللجوء الأول، لكن هذا الصمود يأتي مغلفاً بالرعب والمخاطر الصارخة وسط غياب تام لشبكات الأمان الإنسانية والسياسية.
1. سيمفونية الموت اليومية والأثر النفسي
العيش تحت النار يعني التعايش مع أهوال صوتية ونفسية لا تتوقف:
أصوات القصف المدفعي اليومي الذي يزلزل جدران المنازل المتداعية أصلاً في المخيمات.
هدير الطائرات الحربية التي تخرق جدار الصوت وتنفذ غاراتها المفاجئة والغادرة في أي لحظة.
طنين طائرات الاستطلاع (المسيرات/الدورة) التي لا تفارق السماء، وتبث في النفوس قلقاً دائمًا من محاولة قتل عشوائية أو استهداف مباشر.
2. إنذارات الإخلاء والشلل الاقتصادي
تأتي إنذارات النزوح المفاجئة لترفع منسوب الأدرينالين والخوف إلى حدوده القصوى. يترافق ذلك مع توقف كامل للحركة الاقتصادية؛ فلا معامل تعمل، ولا متاجر تفتح بانتظام، مما يؤدي إلى انعدام الدخل تماماً (عدم العمل) متزامناً مع غلاء معيشي فاحش للسلع القليلة المتوفرة.
3. الانهيار البيئي والصحي وتخلي "الأونروا" والفصائل
يواجه الباقون في المخيمات طعنة قاسية من الجهات التي يُفترض بها إغاثتهم، حيث يرزحون تحت وطأة إهمال خدمي وإنساني غير مسبوق:
توقف "الأونروا" وإغلاق العيادات الصحية: أعلنت وكالة الغوث (الأونروا) عن تعليق عملياتها وتوقفت عن تقديم خدماتها الحيوية في المنطقة، مما أدى إلى إغلاق العيادات الصحية تماماً، وحرمان المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة من الدواء والرعاية الطبية الأساسية، ليُترك الناس لمصيرهم الطبيعي تحت القصف.
غياب الفصائل وتوقف المساعدات المالية والغذائية: في هذا التوقيت الحرج، يشعر الأهالي بـ "الخذلان"، بعد أن **تركت العديد من الفصائل والتنظيمات الناس لمصيرهم دون تقديم أي إعلانات أو برامج مساعدات مالية أو إغاثية وغذائية عاجلة تسد رمق العائلات التي فقدت معيلها وأعمالها.
انقطاع أساسيات الحياة: من مياة شرب، وكهرباء، ومواد طاقة وسط مخاطر بيئية خانقة نتيجة تكدس النفايات وتضرر شبكات الصرف الصحي.
تدمير القطاع التربوي: حيث يرزح التعليم تحت القصف، وتغلق المدارس أبوابها، ويُحرم الأطفال من حقهم في الدراسة، مما يهدد بمستقبل يملأه الجهل والضياع.
يقف اللاجئ الفلسطيني في منطقة صور اليوم، حائراً ومكسوراً أمام خيارين لاهبين: نزوحٌ يسلبه كرامته ويمطر كاهله بمطالبات إيجار البيوت المغلقة، أو بقاءٌ في منزله يجعله مشروع شهيد وسط إغلاق عيادات الأونروا وتخلي الفصائل عن واجباتها الإغاثية. هي مأساة مركبة يعيشها هذا الشعب، المنتظر دوماً لعدالة دولية غائبة، بينما يكتب تفاصيل صموده أو نزوحه بدماء وأعصاب أطفاله.

