2\6\2026
في تاريخ الشعوب محطات تبقى حاضرة رغم مرور الزمن لأنها لا تروي مجرد أحداث عسكرية بل تجسد معاني الإرادة والتضحية والفداء، وفي التاريخ الفلسطيني المعاصر الكثير من هذه المحطات، وتحتل معركة قلعة الشقيف مكانة خاصة لدى الفلسطينيين باعتبارها واحدة من أبرز الملاحم التي سطرتها قوات العاصفة التابعة لحركة "فتح" في مواجهة الاحتلاtل الإسرائيلي خلال اجتياحه للبنان عام 1982.
ففي السادس من حزيران عام 1982 أطلقت إسرائيل "عملية سلامة الجليل" لإجتياح لبنان مستهدفة القضاء على الوجود الفلسطيني المسلح وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من الأراضي اللبنانية، وقد شارك في الاجتtياح عشرات الآلاف من القوات الإسرائيليّة المدعومة بمئات الدبابات والطائرات والمدفعية الثقيلة في محاولة لفرض واقع جديد في المنطقة وكسر إرادة الثورة الفلسطينية.
وسط تلك الحرب برزت قلعة الشقيف كواحدة من أهم المواقع الاستراتيجية للثورة الفلسطينية في جنوب لبنان فالقلعة التاريخية المشيدة على تلة شاهقة تطل على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني والجليل الفلسطيني المحتل وتمثل موقعا عسكريا استراتيجيا بسبب قدرتها على مراقبة التحركات العسكرية والتحكم بمحيطها الجغرافي ولهذا السبب اعتبرت قيادة العدو الإسرائيلي أن السيطرة عليها تمثل أولوية في الأيام الأولى للاجتياح.
لكن ما لم يكن في حسبان الاحتلال أن هذا الموقع لم يكن يدافع عنه جيش نظامي كبير بل مجموعة صغيرة من مقاتلي قوات العاصفة الجناح العسكري لحركة فتح عددهم نحو 37 مقاتلا فقط، كانوا يدركون حجم القوة التي تتقدم نحوهم كما كانوا يعلمون أن إمكاناتهم العسكرية المتواضعة لا تقارن بما يمتلكه الجيش الإسرائيلي من تفوق هائل في العدد والعتاد إلا أنهم اتخذوا قرارهم بالصمود والدفاع عن الموقع حتى النهاية.
ومع بدء الهجوم الإسرائيلي تعرضت القلعة لقصف مكثف من الطائرات والمدفعية في محاولة لتمهيد الطريق أمام القوات كما استقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي قوات من فرقة المظليين المحمولة جوا لكنها فشلت في الإنزال أكثر من مرة، وبعد ذلك دفع الجيش الإسرائيلي وحدات المشاة والدبابات لاقتحام الموقع لكنها اصطدمت بمقاومة عنيفة فقد استغل المقاتلين الفلسطينيين طبيعة الموقع الجغرافية التي مكنتهم من إرباك القوات المهاجمة وإلحاق خسائر بها رغم الفارق الكبير في الإمكانات.
وتحولت ساعات القتال إلى ملحمة حقيقية جسدت قدرة الفدائي الفلسطيني المؤمن بقضيته على مواجهة المستحيل فبين جدران القلعة العتيقة خاض مقاتلي "قوات العاصفة" معركة لم تكن مجرد دفاع عن موقع عسكري بل دفاعا عن كرامة شعب بأكمله وعن حقه في الحرية والاستقلال، ولم يكن هدفهم تحقيق نصر عسكري بقدر ما كان التأكيد على أن إرادة المقاtتل الفلسطيني لا يمكن تنكسر.
والروايات والشهادات المتعلقة بالمعركة والصور المؤثرة عن شجاعة المقاتلين الفلسطينيين الذين صمدوا وقاتلوا رغم الحصار والقصف المتواصل، فبعضهم استhشهد وآخرون أصيبوا لكنهم واصلوا القتال والدفاع عن القلعة وكانوا يدركون أن المعركة قد تنتهي باستشhهادهم لكنهم كانوا مؤمنين بأن الموقف الذي يسجلونه سيبقى حاضرا في ذاكرة شعبهم وأمتهم.
ولم تتوقف أهمية معركة الشقيف عند حدودها العسكرية المباشرة، بل امتدت آثارها إلى البعد المعنوي والسياسي فقد أثبتت أن الثورة الفلسطينية قادرة على إلحاق الخسائر بقوات الاحتلال رغم اختلال موازين القوى وأن المقاتل الفلسطيني يستطيع أن يحول أضعف الإمكانات إلى مصدر قوة لأنه يمتلك الإرادة والعقيدة الوطنية.
وقد أصبحت المعركة رمزا من رموز الصمود الفلسطيني واستحضرتها الأجيال اللاحقة بوصفها نموذجا للتضحية والفداء، وفي كل مرة يواجه فيها الشعب الفلسطيني تحديات جديدة تعود إلى الذاكرة صورة أولئك المقاتلين الذين اختاروا الشhهادة دفاعا عن قلعة الشقيف وعن الكرامة الوطنية رافضين الاستسلام أو الانحناء أمام قوة الاحتلال وجبروته
واليوم وبعد أكثر من أربعة عقود على تلك الملحمة البطولية لا تزال قلعة الشقيف شاهدة على واحدة من أعظم صفحات النضال الفلسطيني فما جرى هناك لم يكن مجرد معركة في سياق حرب بل رسالة تاريخية تؤكد أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها قادرة على الصمود مهما بلغت التضحيات وأن إرادة الحرية أقوى من كل الجيوش وأعتى الأسلحة.
وقد أثبت مقاتلو قوات العاصفة السبعة والثلاثون أن البطولة لا تقاس بالأعداد وأن التاريخ يكتبه أولئك الذين يصمدون ويرفضون الاستسلام في أصعب الظروف، لذلك ستبقى معركة قلعة الشقيف واحدة من الصفحات المضيئة في سجل الثورة الفلسطينية وواحدة من الشواهد الخالدة على أن أصحاب الحق قادرون دائما على صناعة المجد مهما بلغت التضحيات.

