مخيمات صور على أعتاب العيد: بين الحرب والفقر.. لا فرحة تنتظر الأطفال
في أزقة مخيمات منطقة صور (الرشيدية، البص، والبرج الشمالي)، تغيب هذا العام مظاهر الزينة المعهودة مع اقتراب عيد الفطر. وبدلاً من رائحة "كعك العيد"، تفوح في الأجواء هواجس الحرب وأنين العوز. هنا، تتقاطع نيران التصعيد العسكري عند الحدود الجنوبية للبنان مع أزمات اقتصادية واجتماعية مزمنة، لتشكل واقعاً إنسانياً معقداً يهدد حياة آلاف اللاجئين الذين باتوا يعيشون "نكبة" متجددة في تفاصيل حياتهم اليومية.
البطالة القسرية: لقمة العيش تحت وطأة المسيرات
مع تصاعد التوتر الأمني، شلّت الحركة الاقتصادية داخل المخيمات بشكل شبه كامل. المتضرر الأكبر هم "عمال المياومة"، العمود الفقري لاقتصاد اللجوء، الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل ولا معيل.
يقول الشاب سامر من مخيم الرشيدية لـ "لاجئ نت": "الحرب لم تسرق منا الأمان فقط، بل سرقت قدرتنا على تأمين قوت يومنا. كنا نعيش يومنا بيومه، والآن توقف كل شيء؛ نحن كشباب نعيش حالة من الشلل النفسي والاقتصادي الذي لا يرحم".
هذا التعطل القسري طال قطاعات الزراعة والبناء المحيطة بالمخيمات؛ حيث أصبح الوصول إلى البساتين "مخاطرة بالأرواح" بسبب استهداف المسيرات والقصف المتكرر.
يضيف أبو العبد، عامل زراعي من مخيم برج الشمالي: "تحول وضعنا من صعب إلى كارثي؛ الأرض التي كانت تطعمنا أصبحت منطقة خطر، والجلوس في المنزل يعني انتظار المجهول".
رمضان بلا مائدة.. وعيد يطرق أبواب الخواء
مع حلول شهر رمضان، زادت وطأة المعاناة على أهالي مخيمات صور، إذ كان اللاجئون يأملون بهدوء مؤقت، لكن الغلاء الفاحش في أسعار المواد الأساسية باغتهم بشكل أقوى من أي وقت مضى. وارتفعت أسعار الخضار والبقوليات إلى مستويات غير مسبوقة، ما أجبر العائلات على تقليص وجبات الإفطار إلى حدودها الدنيا، في "معركة للأمعاء الخاوية".
ومع اقتراب عيد الفطر، ازدادت الهموم؛ حيث يغلب الحزن على الأهالي العاجزين عن شراء ملابس جديدة لأطفالهم. تقول أم محمد، أم لأربعة أطفال: "العيد في المخيم هذا العام غريب؛ كيف نشتري الثياب ونحن بالكاد نؤمن ثمن ربطة الخبز؟ الحرب والغلاء لم يتركا لنا مساحة للفرح".
الأونروا.. غياب "خطة الطوارئ" يثير الريبة
ووسط هذا المشهد القاتم، يتصاعد الغضب الشعبي تجاه وكالة أونروا. الأهالي ينتقدون ما يصفونه بـ"الانكفاء الخدماتي"، متمثلاً في إغلاق بعض المكاتب والعيادات والمدارس في وقت تشتد فيه الحاجة إليها.
يقول أحد اللاجئين أمام مقر الوكالة: "لماذا تُغلق الأونروا مؤسساتها الصحية وهناك مرضى بحاجة ماسة للدواء؟ الأونروا تمتلك حصانة دولية، وعليها رفع علم الأمم المتحدة والعودة لخدمة الناس لا الهروب من مسؤولياتها في وقت الشدة".
يُجمع السكان على غياب أي خطة طوارئ إغاثية واضحة؛ فلا سلال غذائية طارئة، ولا دعم مالي نقدي يسند العائلات التي فقدت مصادر رزقها نتيجة الحرب.
النزوح الداخلي: لجوءٌ فوق اللجوء
ولم تقتصر الأزمة على الجانب المعيشي، بل شهدت المخيمات حركة نزوح لعائلات لبنانية من القرى الحدودية ومن أطراف المخيمات المكشوفة باتجاه العمق. هذا النزوح المزدوج ضاعف الضغوط على "العائلات المضيفة" التي تعاني أصلاً من الفقر، في ظل غياب كامل لأي جهد إغاثي منظم لاحتواء النازحين الجدد.
خلاصة الموقف: نداء أخير قبل الانفجار
يجمع الناشطون ومتابعو الشأن الإنساني على أن استمرار هذا الثالوث (الحرب، الغلاء، غياب الغوث) يقود المخيمات نحو انفجار اجتماعي وتدهور غير مسبوق. وعليه، يوجه أهالي مخيمات صور نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية بضرورة:
1- إطلاق خطة طوارئ إغاثية شاملة تلبي احتياجات رمضان وتوفر مستلزمات العيد للأطفال.
2- إلزام الأونروا بضمان استمرار خدماتها الصحية والتعليمية تحت أي ظرف أمني.
3- توفير دعم مالي مباشر وفوري للعائلات التي تعطل معيلوها قسراً بسبب التصعيد العسكري.
مخيمات صور اليوم لا تطلب المستحيل؛ هي فقط تطلب حقها في الحياة الكريمة في ظل حربٍ لم تخترها، وغلاءٍ لا تطيقه.

