نفّذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية إنزال جوي في منطقة البقاع شرقي لبنان، في تطور أمني لافت يأتي في ظل استمرار العدوان "الإسرائيلي" على الأراضي اللبنانية وتصاعد التوتر على أكثر من جبهة.
وأثارت العملية تساؤلات حول طبيعتها وأهدافها، وما إذا كانت تندرج في إطار عمليات أمنية محدودة أم تحمل رسائل عسكرية وسياسية أوسع.
وفي تصريح خاص لـ"قدس برس"، اليوم السبت قال المحلل السياسي فراس ياغي إن "عملية الإنزال (الإسرائيلية) في البقاع تحمل دلالات ميدانية وسياسية مهمة، وتكشف الكثير من المعطيات المرتبطة بواقع المواجهة مع الاحتلال".
وأوضح ياغي أن "هذا الحدث بحد ذاته يدحض الكثير من الروايات التي جرى الترويج لها في الفترة الماضية حول واقع حزzب الله بعد حرب الإسناد والحرب الشاملة، وكذلك بعد أكثر من عشرة آلاف خرق (إسرائيلي) لاتفاق وقف إطلاق النار".
وأشار إلى أن "اكتشاف قوة الإنزال (الإسرائيلية) والتصدي لها، إلى جانب وقوف الجيش اللبناني واستhشهاد أحد عناصره، إضافة إلى مساندة الأهالي في المنطقة، يؤكد أن لبنان عصيّ على الكسر، وأن معادلة الشعب والجيش والمkاومة ما تزال تشكل الضمانة الأساسية لحماية البلاد وتحصينها من الفتنة التي يسعى إليها العدو (الإسرائيلي) وأذرعه في الداخل اللبناني".
وأضاف ياغي أن "(إسرائيل) حاولت تحقيق إنجاز معنوي من خلال البحث عن رفات الطيار (الإسرائيلي) المفقود آرون أراد، في محاولة لإظهار قدرتها الاستخبارية والعسكرية، إلا أن ما جرى على الأرض أفشل هذا الهدف".
وتابع: "المعجزة المسماة حزzب الله حالت دون تحقيق هذا الإنجاز، حيث تحولت العملية إلى ما يشبه كابوسًا للقوة (الإسرائيلية)، بعد أن استمر الاشتباك لساعات طويلة في محاولة لتخليص قوة الكوماندوس التي وقعت في كمين أعدته المkاومة والعشائر".
وختم ياغي بالقول إن "ما حدث يؤسس بشكل واضح لحجم التعافي الذي وصلت إليه المkاومة، ويؤكد استمرار قدراتها الميدانية، وأن قوات النخبة، وعلى رأسها قوات رضوان، ما تزال قادرة على الوصول إلى المكان الذي تريده في مواجهة العدو (الإسرائيلي)".
بدوره، قال العميد الركن المتقاعد والخبير العسكري نضال زهوي إن "عملية الإنزال (الإسرائيلية) في البقاع ترتبط بشكل مباشر بملف الطيار (الإسرائيلي) المفقود آرون أراد، وهو ملف يحمل أبعادًا معنوية وعقائدية لدى (إسرائيل) أكثر مما يحمل قيمة مادية أو عسكرية".
وأوضح زهوي في تصريح خاص لـ"قدس برس" أن "قضية آرون أراد بالنسبة للإسرائيليين ليست مجرد ملف عسكري عالق، بل ترتبط بعقيدة راسخة في الفكر الصهيوني تقوم على عدم اعتبار الجندي ميتًا إلا بعد العثور على جثمانه ودفنه"، مشيرًا إلى أن "هذا البعد الرمزي يدفع المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية) إلى مواصلة البحث عن أي خيط يقود إلى مصير الطيار المفقود منذ عقود".
وفي ما يتعلق بطبيعة العملية، لفت زهوي إلى أن "تنفيذ عملية إنزال في منطقة البقاع، وتحديدًا في منطقة قريبة من الحدود السورية، يدل على أن القوة (الإسرائيلية) كانت تمتلك معطيات استخبارية دفعتها إلى المجازفة بهذا التحرك"، مشيرًا إلى أن "عمليات الإنزال السابقة كانت تتم غالبًا من الجهة الغربية للبنان، في حين كانت الحدود الشرقية خلال فترات سابقة خاضعة لنفوذ قوى المقاومة ومحور المقاومة، ما كان يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات أكثر تعقيدًا".
وأشار إلى أن "مجريات العملية تشير إلى مستوى عالٍ من الجهوزية لدى المقاومة في المنطقة".
وأوضح زهوي أن "المعطيات المتوافرة تفيد بأن المروحيات (الإسرائيلية) جرى رصدها منذ لحظة دخولها الأجواء قادمة من جهة الأراضي السورية، ما يدل على أن المkاومة كانت في حالة مراقبة واستعداد مبكر للتعامل مع أي تحرك معادٍ".
وأضاف أن القوة "الإسرائيلية" حاولت في بداية العملية فرض واقع ميداني عبر كثافة النيران لتجنب الاشتباك المباشر وتأمين تنفيذ مهمتها، إلا أن المkاومة كانت بالمرصاد، وتمكنت من إرباك عملية الانسحاب وإدخال القوة الخاصة في وضع ميداني معقد".
وأشار زهوي إلى أن "هذا الارتباك دفع الاحتلال إلى تفعيل ما يعرف بإجراء (هنيبعل)، وهو بروتوكول عسكري (إسرائيلي) يُستخدم في حالات الطوارئ لمنع وقوع الجنود في الأسر، حتى ولو تطلب الأمر استخدام قوة نارية كثيفة لتأمين انسحابهم".
وأضاف أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن "القوة الخاصة التي نفذت العملية حاولت التمويه عبر ارتداء بزات عسكرية تشبه بزات الجيش اللبناني، في محاولة لتجنب إثارة الشبهات أثناء تحركها في المنطقة"، إلا أن أمرها انكشف – وفق هذه الروايات – بعد دخولها إلى مقبرة البلدة، حيث صادفها أحد عناصر الجيش اللبناني أثناء قيامه بالحراسة الليلية ومراقبة أجهزة الرؤية.
وأوضح أن العنصر "بادر إلى الاتصال بقيادته للاستفسار عما إذا كانت هناك مهمة للجيش في المكان، لكن بعد التأكد من عدم وجود أي مهمة عسكرية للجيش في تلك المنطقة، بدأت الشكوك تتزايد حول هوية العناصر، ليتبين لاحقًا أنهم قوة كوماندوس (إسرائيلية)".
وفي ما يتعلق بالجانب الإقليمي، أشار زهوي إلى أن عدم تواصل الجانب السوري مع الدولة اللبنانية بشأن التحرك العسكري في المنطقة "قد يكون مرتبطًا بطبيعة الحسابات الأمنية والسياسية القائمة، لا سيما في ظل وجود ترتيبات أمنية مختلفة في تلك المناطق"، لافتًا إلى أن دمشق قد لا تعتبر نفسها معنية مباشرة بالتدخل في تحركات تجري داخل الأراضي اللبنانية.
وختم زهوي بالقول إن "ملف الطيار آرون أراد لو كان لدى حزzب الله أو أي جهة في لبنان معلومات مؤكدة حول مكان رفاته، لكان استُخدم منذ سنوات كورقة تفاوضية في صفقات تبادل الأسرى، خصوصًا في ظل وجود أسرى لبنانيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي".
وتتقاطع قراءة المحلل السياسي فراس ياغي مع التقييم العسكري الذي يقدمه العميد الركن المتقاعد نضال زهوي، إذ يرى الأول أن ما جرى في البقاع يعكس فشل الاحتلال في تحقيق إنجاز ميداني أو معنوي، ويؤشر – بحسب تقديره – إلى استمرار قدرة المقاومة على التعامل مع العمليات الخاصة "الإسرائيلية" وإفشالها.
في المقابل، يسلّط زهوي الضوء على البعد العسكري والاستخباري للعملية، معتبرًا أن ارتباطها بملف الطيار "الإسرائيلي" المفقود آرون أراد يمنحها بعدًا رمزيًا ومعنويًا لدى الاحتلال، وهو ما قد يفسر المجازفة بتنفيذ عملية إنزال في منطقة بعيدة نسبيًا عن مسرح العمليات التقليدي في الجنوب.
وبين هاتين القراءتين، تبدو عملية الإنزال في البقاع حدثًا يتجاوز كونه تحركًا عسكريًا محدودًا، ليحمل دلالات أوسع تتصل بطبيعة الصراع المفتوح بين الاحتلال ولبنان، وبمحاولات كل طرف تسجيل نقاط ميدانية أو معنوية في سياق المواجهة المستمرة.
هذا وأفادت مصادر ميدانية بحدوث محاولة إنزال لقوة "إسرائيلية" في بلدة النبي شيت، حيث رصد "حزzب الله" مروحيات "إسرائيلية" قرابة الساعة العاشرة والنصف مساء الجمعة، أعقبها تسلل قوة مشاة باتجاه الحي الشرقي للبلدة.
وقال الحزب في بيان اليوم السبت إن مقاتليه اشتبكوا مع القوة المتسللة في منطقة المقابر باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، مشيرًا إلى أن سكان القرى المجاورة شاركوا في الإسناد الناري أثناء انسحاب القوة.
وأضاف البيان أن سلاح الجو "الإسرائيلي" نفذ غطاءً ناريًا مكثفًا شمل نحو 40 غارة جوية لتأمين انسحاب القوة من منطقة الاشتباك.
من جهته، قال جيش الاحتلال "الإسرائيلي" إن قوات خاصة نفذت عملية بحث عن متعلقات للطيار المفقود رون أراد خلال الليل، مؤكدًا عدم تسجيل إصابات في صفوف قواته.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة الغارrrات "الإسرائيلية" على بلدة النبي شيت والبلدات المحيطة في قضاء بعلبك إلى 41 شhيدًا و40 جريحًا.

