مخيمات صور بين مطرقة التصعيد وسندان الإهمال: «الأونروا» تحت المجهر والنفايات تهدد بانفجار صحي
صور – لاجئ نت
في الوقت الذي تخيم فيه أجواء التصعيد العسكري على جنوب لبنان، يجد اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات منطقة صور (الرشيدية، البرج الشمالي، البص) أنفسهم في مواجهة "حرب من نوع آخر"؛ بطلها غياب الخدمات الأساسية وتراجع الدور الإغاثي لوكالة الأونروا. فخلف الجدران الإسمنتية المكتظة، لا يخشى السكان القذائف فحسب، بل بات الخوف من الأوبئة وتوقف العيادات الطبية هاجساً يومياً يهدد صمود آلاف العائلات التي رفضت النزوح وقررت البقاء في منازلها.
بيئة موبوءة.. صرخة من خلف أكوام النفايات
يتحول المشهد في أزقة مخيم البرج الشمالي والرشيدية إلى كارثة بيئية حقيقية؛ حيث تتكدس النفايات لأيام متتالية دون تدخل من فرق النظافة التابعة للوكالة. يقول "أبو أحمد"، أحد سكان مخيم البرج الشمالي: "الروائح الكريهة باتت تخنق أطفالنا داخل البيوت، والمخيم مساحة مغلقة لا متنفس لها. نحن نخشى انتشار الأمراض، ولا نملك أي بديل لجمعها". هذا الواقع البيئي المرير يحذر منه الناشطون، مؤكدين أن تراكم النفايات في ظل ارتفاع درجات الحرارة يحول المخيمات إلى بؤر خصبة للقوارض، مما يجعل "القنبلة الصحية" قابلة للانفجار في أي لحظة.
تحديات العمال: صراع بين الواجب والمخاطر
على المقلب الآخر، تبرز معضلة أمنية تواجه طواقم الأونروا الميدانية؛ إذ يسود القلق بين العاملين في قسم الصحة البيئية من استهدافهم أثناء أداء مهامهم. ويوضح أحد العاملين في الوكالة (فضل عدم ذكر اسمه) أن المخاوف تتركز بشكل أساسي في عمليات نقل النفايات إلى المطامر الخارجية، قائلاً: "نحن لسنا بعيدين عن الخطر؛ فالمطامر تقع في مناطق بعيدة ومكشوفة أمنياً، والتحرك بالشاحنات في ظل القصف المستمر يجعل العمال عرضة لاستهداف مباشر. هذا الخوف على السلامة الشخصية هو ما يعيق أحياناً انتظام العمل، رغم إدراكنا لحجم المعاناة داخل المخيمات".
العيادات الموصدة.. مصير معلق
لم تقف الأزمة عند حدود الشارع، بل وصلت إلى المرافق الصحية؛ إذ يشكو اللاجئون من إغلاق مفاجئ لبعض العيادات دون سابق إنذار، مما ترك أصحاب الأمراض المزمنة في مهب الريح. بحرقة تتحدث "أم محمد"، وهي سيدة تعاني من أمراض مزمنة: "عيادة المخيم هي ملاذنا الوحيد للدواء، فنحن لا نملك كلفة الطبابة خاصة. إغلاق العيادة يعني أننا نُترك لمصيرنا". ويؤكد متابعون أن هذه الإجراءات تفتقر للتنسيق، خاصة وأن المخيمات لم تشهد نزوحاً واسعاً، والحاجة للرعاية الطبية لا تزال قائمة وبقوة.
أزمة ثقة ومطالب عاجلة
تتحدث اللجان الشعبية عن "أزمة ثقة" تتعمق يومياً مع إدارة الأونروا، معتبرين أن الظروف الأمنية لا يجب أن تلغي الحد الأدنى من الخدمات. وأمام هذا الواقع، يرفع الأهالي مطالب أساسية تتلخص في:
إيجاد مسارات آمنة لعمال النظافة تضمن استئناف جمع النفايات دون تعريض حياتهم للخطر.
ضمان استمرارية عمل العيادات وتأمين الأدوية الأساسية فوراً.
تعزيز التنسيق الميداني بين الأونروا واللجان الشعبية لوضع خطط طوارئ تراعي سلامة الموظف وحق اللاجئ في الخدمة.
بين مطرقة التهديدات الأمنية وسندان "الإهمال الخدماتي"، تبقى مخيمات صور صامدة بإرادة أهلها، بانتظار حلول عملية تحمي الموظف الميداني وتصون كرامة اللاجئ الصحيّة والبيئية.

