أبو شريف رباح
19\3\2026
حين يطل عيد الفطر المبارك هذا العام لا يأتي محملا بفرح الطفولة ولا ببهجة اللقاءات بل يجيء متعبا مثقلا بصوت الرعد واختلاطه بأزيز الصواريخ وبمشهد الخيام التي ترتجف تحت المطر والبرد، يجيء العيد إلى مئات الآلاف من النازحين والمهجرين وكأنه غريب عنهم يقف على أبوابهم دون أن يجد طريقا إلى قلوب أنهكها الخوف والتعب والفقدان.
في خيام النزوح ومراكز الإيواء تتبدل ملامح العيد، لا ملابس جديدة ولا زيارات عائلية ولا ضحكات تملأ الأزقة، وبدلا من ذلك هناك وجوه شاحبة وعيون ساهرة وأطفال ينظرون إلى السماء بقلق أكثر مما ينظرون إليها ببراءة، أطفال لم ترتسم البسمة على وجوههم منذ سنوات كأن الزمن توقف عند أول صدمة وبقيت طفولتهم معلقة بين الخوف والحرمان.
أي عيد هذا الذي يأتي والناس بين ألم الفقدان ومرارة النزوح؟ أي فرحة يمكن أن تولد في قلب أم فقدت بيتها أو ولدها، وقلب أب عاجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة لعائلته؟ العيد في جوهره هو مساحة أمل لكن كيف للأمل أن ينمو في أرض تسقيها الدماء وتغمرها الدموع؟ ومع ذلك وبرغم هذا المشهد القاسي يبقى في الإنسان شيء يقاوم، فقد لا يكون العيد كما نعرفه لكنه يتحول إلى فعل صمود إلى محاولة صغيرة للحفاظ على ما تبقى من إنسانيتنا، قد تكون بسمة طفل خجولة، أو قطعة حلوى متواضعة، أو يد تمد لمساعدة محتاج هي كل ما تبقى من طقوس العيد لكنها في هذا الواقع تعني الكثير.
إنه عيد بلا مظاهر لكنه ليس بالضرورة بلا معنى عيد يذكرنا بأن الألم مهما اشتد لا يمكنه أن ينتزع من الإنسان قدرته على التمسك بالحياة، وبين الدخان والمطر وبين الخيام والركام قد يولد شكل آخر للعيد، عيد عنوانه الصبر ولغته التضامن وروحه الأمل الذي يرفض أن يموت، فربما لا يحمل هذا العيد فرحا كاملا لكنه يحمل رسالة واضحة أن الشعوب التي تعرف كيف تصمد في وجه الألم قادرة يوما ما على أن تصنع فرحها من جديد مهما طال ليل المعاناة.
وفي ختام هذا المشهد المثقل بالألم يبقى العيد رغم كل شيء اختبارا حقيقيا لإنسانيتنا وقدرتنا على التمسك بما تبقى من نور في هذا الظلام الطويل قد تغيب مظاهر الفرح وتنكسر تفاصيله الصغيرة تحت وطأة النزوح والخوف لكن لا ينبغي أن تغيب معانيه العميقة؛ معاني الرحمة، والتكافل، والأمل، فبين خيمة ترتجف تحت المطر وقلب مثقل بالفقد يولد دعاء صادق بأن يكون العيد القادم مختلفا وأن تحمل الأيام المقبلة نهاية لهذا الألم، وبداية لعودة كريمة وآمنة لكل نازح ومهجر وحتى يحين ذلك سيبقى العيد وعدا مؤجلا بالفرح وذكرى حية بأن الشعوب التي تنكسر تفاصيلها لا تنكسر إرادتها.

