بقلم الدكتور وسيم وني – عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين
في لبنان، لم تعد الطفولة تلك المرحلة التي تُروى بالحكايات الدافئة وتُزيَّن بالأحلام البسيطة، بل تحوّلت إلى ساحة صامتة تتراكم فيها الخسارات، وتُكتب فيها القصص المؤلمة دون أن تجد من يسمعها، هنا، لا يكبر الأطفال كما يجب، بل يُدفعون دفعًا نحو النضج القاسي، حيث تتقدّم المخاوف على البراءة، ويُصبح القلق رفيقًا يوميًا بدلًا من اللعب، في هذا الوطن المثقل بالأزمات والحروب، لم تعد الطفولة حقًا مضمونًا، بل امتيازًا نادرًا، يُنتزع من بين أنياب الواقع المرير،إننا أمام جيلٍ يُولد في ظل الاضطراب، ويكبر وسط الانهيار، جيلٍ لا يحمل فقط حقيبته المدرسية، بل يحمل أيضًا ذاكرة مثقلة بالخوف، وأسئلة أكبر من عمره، وأحلامًا تتآكل قبل أن تكتمل.
وفي قلب هذا المشهد المأساوي، تقف الحالة النفسية للأطفال كأحد أخطر أوجه الأزمة وأكثرها عمقًا، إذ لا يمكن قياسها بالأرقام، لكنها تُقرأ في العيون، وفي الصمت الطويل، وفي الارتباك الذي يرافق أبسط تفاصيل الحياة، فالطفل الذي يعيش تحت صوت القصف، أو يهرب من منزله فجأة، لا ينسى بسهولة، بل يحمل تلك اللحظات معه، لتتحول إلى جزء من وعيه وتكوينه، ومع تكرار الصدمات، يصبح الخوف حالة دائمة، لا حدثًا عابرًا، ويتحوّل القلق إلى شعور مزمن يرافقه حتى في لحظات الهدوء، بعض الأطفال يعجزون عن النوم، وآخرون يرفضون الابتعاد عن أهلهم، فيما يفقد البعض القدرة على التعبير عن مشاعرهم، فيلجؤون إلى الصمت أو الانعزال، إننا أمام جيلٍ يتعلّم كيف يتعايش مع الألم بدل أن يتجاوزه، جيلٍ قد يحمل آثار هذه المرحلة معه لسنوات طويلة، وربما طوال حياته.
ولا يبتعد الواقع الصحي كثيرًا عن هذا الانهيار، بل يتقاطع معه بشكل خطير، حيث أصبحت صحة الأطفال في لبنان رهينة للظروف القاسية التي يعيشونها، فالحرب، إلى جانب الأزمة الاقتصادية، أضعفت قدرة العائلات على تأمين الغذاء الصحي، ما أدى إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال الصغار، كما أن تراجع الخدمات الطبية، ونقص الأدوية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، كلها عوامل جعلت من المرض خطرًا مضاعفًا، وفي بيئات النزوح، حيث يزداد الاكتظاظ وتقلّ النظافة، تنتشر الأمراض بسرعة، ويصبح الأطفال أكثر عرضة للإصابة دون القدرة على تلقي العلاج المناسب، هنا لا يكون المرض مجرد حالة طبية، بل نتيجة مباشرة لواقعٍ منهك، يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.
أما التعليم، فقد أصبح أحد أبرز ضحايا هذا الواقع، إذ لم تعد المدرسة جزءًا ثابتًا من حياة الطفل، بل خيارًا هشًا يتأثر بكل تطور أمني أو اقتصادي، فقد أُغلقت العديد من المدارس، أو تحوّلت إلى مراكز إيواء، أو أصبحت بعيدة المنال بسبب النزوح والخوف، ما أدى إلى انقطاع آلاف الأطفال عن التعليم ، كما أن خسارة التعليم لا تعني فقط فقدان المعرفة، بل تعني فقدان الأمل، وفقدان الطريق نحو مستقبل أفضل.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع ظاهرة النزوح، التي تُعد من أكثر التجارب قسوة وتأثيرًا على الأطفال، فحين يُجبر الطفل على مغادرة منزله، فإنه لا يفقد فقط مكانًا، بل يفقد إحساسه بالأمان، واستقراره النفسي، وارتباطه ببيئته،النزوح يخلق حالة من القلق المستمر، ويزرع في داخله شعورًا بعدم اليقين، وكأن كل شيء يمكن أن يختفي في أي لحظة، بعض الأطفال يفقدون القدرة على التكيّف، فيما يعاني آخرون من صدمات متكررة نتيجة تغيّر البيئات وعدم الاستقرار، وهكذا تتحول حياة الطفل إلى سلسلة من الانتقالات القسرية، التي تُضعف شعوره بالانتماء، وتجعله يعيش حالة من الضياع الدائم.
وفي مراكز الإيواء، تتجسد معاناة أخرى لا تقل قسوة، حيث يعيش الأطفال في ظروف تفتقر إلى الخصوصية والراحة والاستقرار، الاكتظاظ، الضجيج، نقص الموارد، وغياب المساحات الآمنة، كلها عوامل تجعل من هذه المراكز بيئة صعبة للأطفال،فالمكان الذي يُفترض أن يكون ملاذًا، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى مصدر ضغط إضافي، حيث لا يجد الطفل مساحة للعب أو التعبير، ولا بيئة تساعده على التعافي، ومع مرور الوقت، يتآكل الإحساس بالأمان، ويتحوّل الانتظار إلى حالة دائمة، انتظار العودة، أو انتظار المجهول.
وفي زاويةٍ أشد قسوة، تتكشف مأساة الأطفال الذين لم تصلهم حتى مراكز الإيواء، أولئك الذين سقطوا خارج دائرة الاهتمام، فوجدوا أنفسهم في العراء، يواجهون الحياة بلا حماية، هؤلاء الأطفال ينامون في السيارات، أو على الأرصفة، أو في أماكن مهجورة، حيث يصبح الليل اختبارًا قاسيًا للبقاء، لا سقف يحميهم، ولا دفء يخفف عنهم قسوة البرد، ولا أمان يبدد خوفهم، هناك، تتحول الطفولة إلى صراعٍ يومي مع الجوع والخوف، ويصبح البقاء هو الهدف الوحيد، هؤلاء الأطفال هم الأكثر هشاشة، والأكثر عرضة للاستغلال والعنف، في ظل غياب أي شبكة حماية حقيقية.
وفي هذه البيئات المفتوحة على الخطر، تتضاعف المعاناة النفسية والصحية، حيث يعيش الطفل في حالة دائمة من القلق والعزلة، دون أي دعم نفسي أو اجتماعي، كما تتدهور صحته بسرعة نتيجة التعرض للعوامل الطبيعية، وسوء التغذية، وانعدام الرعاية، أما التعليم، فيغيب تمامًا عن حياتهم، ليُستبدل بصراع يومي من أجل البقاء. إنهم الوجه الأكثر ألمًا للأزمة، والمرآة التي تعكس حجم التقصير في الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة.
ورغم هذا الواقع القاسي، تبرز جهود الجمعيات الإنسانية، والبلديات ، والمبادرات الفردية، ومؤسسات المجتمع المدني، التي تحاول أن تصنع فرقًا في حياة الأطفال، ولو كان بسيطًا ،هذه الجهات تعمل على تقديم المساعدات الغذائية والطبية، وتوفير الدعم النفسي، وتنظيم الأنشطة التي تعيد للأطفال جزءًا من طفولتهم، كما تسعى إلى إنشاء مساحات آمنة، وبرامج تعليمية بديلة، في محاولة لحماية الأطفال من الانهيار الكامل ، البلديات تلعب دورًا مهمًا في إدارة مراكز الإيواء، وتنظيم الخدمات، فيما تسدّ المبادرات المحلية فجوات كثيرة بجهود فردية وجماعية.
لكن، وعلى الرغم من كل هذه الجهود، يبقى الواقع أكبر من الإمكانيات، والتحديات أكبر من الحلول المتاحة، فالأزمة التي يعيشها الأطفال في لبنان ليست ظرفًا عابرًا، بل حالة مركّبة تتطلب تدخلًا شاملًا، واستراتيجية طويلة الأمد تضع الطفل في قلب الأولويات، إن إنقاذ هذا الجيل لا يمكن أن يتحقق بمساعدات مؤقتة، بل يحتاج إلى رؤية تعيد بناء الإنسان قبل المكان.
في نهاية هذا المشهد الثقيل، يبقى الطفل في لبنان هو الحكاية التي لم تُروَ كاملة بعد، هو الصوت الذي يختنق بين ضجيج الحرب وصمت العالم ، هو الضحية التي لا تختار مصيرها، لكنه يحمل نتائجه في كل تفاصيل حياته، وبين الخوف والنزوح والحرمان، تتشكل ملامح جيلٍ كاملٍ على وقع الألم، جيلٍ يستحق أكثر من مجرد التعاطف، يستحق فرصة حقيقية للحياة، لأن إنقاذ الأطفال ليس عملًا إنسانيًا فحسب، بل هو استثمار في مستقبل وطنٍ بأكمله، وطنٍ لن ينهض إلا إذا استعاد أطفاله حقهم في الطفولة، وحقهم في الحلم، وحقهم في أن يعيشوا بسلام.

