recent
أخبار ساخنة

*الأونروا في مهبّ الريح: جريمة سياسية وأخلاقية بحق اللاجئين وحق العودة*


أبو شريف رباح
24/1/2026

ما يجري بحق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لم يعد أزمة تمويل ولا خللا إداريا ولا نتيجة عجز مالي بل هو جريمة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان ترتكب بدم بارد بحق ملايين اللاجئين الفلسطينيين وبحق أحد أكثر الحقوق وضوحا وعدالة في التاريخ الحديث "حق العودة للاجئين".

الحذر كل الحذر من استهداف الأونروا لأن المساس بها ليس استهدافا لمؤسسة أممية فحسب بل هو ضرب مباشر للذاكرة الفلسطينية وشطب متعمد للشاهد على النكبة ومحاولة وقحة لإلغاء جر~يمة لم تحاسب عليها إسرائيل حتى اليوم، فالأونروا ليست مؤسسة إغاثة عابرة بل دليل إدانة دولي قائم منذ أكثر من سبعة عقود على اقتلاع شعب كامل من أرضه.

لقد جاء تشكيل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 عام 1949، استنادًا إلى القرار 194 القاضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وهي المؤسسة الدولية الوحيدة التي أُنشئت خصيصا لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ما يجعلها الشاهد القانوني والسياسي والإنساني على قضية اللجوء، ومن هنا نفهم لماذا تعمل إسرائيل على استهداف المخيمات الفلسطينية وتدميرها لا سيما في الضفة الغربية حيث هجرت أكثر من 50 ألف لاجئ فلسطيني إضافة إلى تدمير مخيمات اللاجئين في قطاع غزة في محاولة لطمس الشاهد واخفاء الجر~يمة عبر محو آثارها.

إن المخطط الأميركي – الإسرائيلي لتصفية الأونروا ليس جديدا بل يعود إلى ما سمي "صفقة القرن" التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2020، والتي قامت على قاعدة منح الاحتلال كل شيء وسلب الفلسطيني حتى حقه في أن يكون ضحية، واليوم يعاد إنتاج هذا المخطط بلباس جديد تحت عناوين خادعة كالإصلاح والاستدامة المالية و"مجلس السلام" فيما الهدف الحقيقي إنهاء الأونروا وشطب حق العودة وإعفاء الاحتلال من جرائمه.

وفي هذا السياق لا يمكن تبرير قرارات المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني بحسم 20% من رواتب الموظفين وتقليص ساعات العمل وقبل ذلك إيقاف مساعدات حالات العسر الشديد لا أخلاقيا ولا إنسانيا، فهذه القرارات تعني عمليا تجويع الموظف واللاجئ معا، وتجفيف الوكالة من الداخل ودفعها نحو انهيار بطيء ومقصود، فأي منطق أخلاقي يسمح بقطع المساعدات عن آلاف العائلات اللاجئة التي لا تملك سوى هذه الإعانة لتأمين لقمة العيش، وأي ضمير إنساني يبرر المساس بالتعليم والصحة في مخيمات تعيش أصلا الفقر والجوع والحر~وب، وأي مسؤولية أممية هذه التي تحمّل الضحية ثمن عجز المجتمع الدولي عن إلزام الاحتلال بتحمّل مسؤولياته؟

إن أخطر ما في هذه السياسات أنها تنقل الجريمة من ساحة السياسة إلى جسد الإنسان الفلسطيني فالأطفال يحرمون من التعليم والمرضى يعانون دون علاج والأسر تدفع إلى الجوع واليأس، ليس نتيجة كارثة طبيعية بل نتيجة قرار سياسي مقصود يخدم مشروعا تصفويا واضح المعالم، وتتفاقم هذه المخاطر مع ما يخطط له الرئيس ترامب من ضرب منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن واستبدالها بما يسمى "مجلس السلام العالمي" في محاولة لإلغاء المرجعيات الدولية واستبدالها بأطر خاضعة للهيمنة الأميركية، وهذا يعني عمليا تفكيك الأونروا ونقل مسؤولياتها إلى الدول المضيفة وتحويل قضية اللاجئين من قضية حق وعودة إلى عبء اقتصادي وأمني على هذه الدول.

فالمطلوب اليوم هو شطب صفة اللاجئ عن الفلسطيني، لا لأنه عاد إلى أرضه بل لأنه أُنهك وجاع وترك بلا حماية دولية وهذا أخطر أشكال الإلغاء لأنه إلغاء صامت يتم عبر التجويع والتهميش بدل القصف المباشر، وأمام هذا المشهد يعيش اللاجئون الفلسطينيون حالة قلق وجودي حقيقي ليس فقط على خدمات الأونروا بل على مستقبلهم وهويتهم وحقهم في العودة، فإستهداف الأونروا هو استهداف مباشر للقرار 194 وانقلاب على القانون الدولي وتواطؤ فاضح مع الاحتلال، والصمت على ما يجري شراكة في الجريمة والتذرع بالعجز المالي سقوط أخلاقي والقبول بتقويض الأونروا هو قبول بتصفية قضية اللاجئين ومن هنا فإن الدفاع عن الأونروا ليس ترفا سياسيا بل واجب وطني وأخلاقي وإنساني لأن من يتخلى عن الأونروا اليوم سيتخلى عن حق العودة غدا.
google-playkhamsatmostaqltradent