recent
أخبار ساخنة

تقليص خدمات "أونروا.. خطوة إنقاذ أم مسار تفريغ ممنهج؟



بيروت- مازن كريّم -قدس برس

أثار قرار إدارة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) القاضي بتقليص ساعات العمل الأسبوعية لموظفيها بنسبة 20%، وما يرافقه من تخفيض مماثل في مستوى الخدمات، موجة واسعة من القلق والغضب في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وسط تحذيرات من تداعيات كارثية تطال قطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وتهدد الاستقرار الهش داخل المخيمات.

القرار الذي برّرته إدارة الأونروا بأزمة مالية غير مسبوقة، أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل الوكالة، وحدود قدرتها على الاستمرار في أداء دورها الإنساني والسياسي كشاهد على قضية اللاجئين وحق العودة.
استهداف سياسي بغطاء مالي

وقال الناشط الشبابي الفلسطيني، أمين السيد، إنّ "الأزمة المالية التي تتحدث عنها إدارة وكالة أونروا تشكّل كارثة حقيقية على أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان، ولا سيما في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، محذّرًا من عواقب خطيرة تطال مختلف القطاعات، وفي مقدّمتها التعليم والصحة والخدمات الأساسية".

وأضاف السيّد في تصريح خاص لـ"قدس برس" أنّ "قرار تقليص ساعات العمل يُعد مؤشّرًا خطيرًا، معتبرًا أنّه خطوة تضييقية جديدة تُسهم في حرمان اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم التي يفترض أن تضمنها أونروا، بدلًا من حمايتها وتعزيزها في ظل الظروف المعيشية الصّعبة".

وشدّد على أنّ "المخرج الحقيقي للأزمة يكمن في إعادة دعم الدول المانحة والمجتمع الدولي لوكالة أونروا، كما كان الحال في السابق، بما يضمن استمرار الوكالة في أداء دورها تجاه أبناء الشعب الفلسطيني، وخصوصًا القاطنين في المخيمات".

وأشار السيد إلى أنّ "أونروا تتعرّض لضغوط سياسية من عدّة دول تهدف إلى إضعافها، لافتًا إلى أنّ هذه الأطراف تعتبر الوكالة شاهدًا حيًّا على نكبة الشعب الفلسطيني، ودليلًا قانونيًا وإنسانيًا على حقّه في العودة وإقامة دولته".

وأضاف أنّ "استهداف "أونروا" يندرج في سياق محاولات إضعاف اللاجئين وفصلهم عن هويتهم الوطنية الفلسطينية".

وختم بالقول إنّ "المرحلة الراهنة تتطلب تحركات جدية وواسعة لوقف هذا النزيف المفتعل بحق وكالة أونروا، محذرًا من أنّ استمرار إضعاف الوكالة سينعكس كوارث مادية وصحية ومعيشية يتحمّلها اللاجئون الفلسطينيون وحدهم".
ضرب التعليم… بداية الانهيار

بدوره، قال المعلم حسان السيد، إنّ "قرار المفوض العام للأونروا بتخفيض ساعات العمل بنسبة 20%، وما يرافقه من تقليص موازٍ في مستوى الخدمات، يشكّل ضربة قاسية تطال جوهر عمل الوكالة، وقد يرقى إلى تدميرها من الداخل، محذرًا من تداعيات خطيرة على مختلف القطاعات، ولا سيما قطاع التربية والتعليم".

وأوضح السيّد في تصريح خاص لـ"قدس برس" أنّ "تخفيض الخدمات لا ينعكس فقط على رواتب المعلمين والموظفين، بل يطال بشكل مباشر حقوق اللاجئين الفلسطينيين، مشيرًا إلى أنّ الطالب الفلسطيني سيخسر ما يقارب 20% من الخدمات التربوية، ما يعني ضغطًا إضافيًا على تلقي المناهج، ونقصًا في اكتساب الكفايات والمهارات، في ظل اكتظاظ صفوف يصل في بعض الأحيان إلى نحو 50 طالبًا، وخصوصًا لدى طلاب الشهادات الرسمية".

وأضاف أنّ "هذا الواقع سيضاعف الأعباء على الأهالي، الذين لن يجدوا بديلًا عن اللجوء إلى الدروس الخصوصية والمعاهد، في ظل أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة، محذّرًا من العودة إلى ممارسات مؤلمة تعود إلى زمن النكبة، حين كانت العائلات تُجبر على اختيار طالب واحد فقط لإكمال تعليمه على حساب إخوته، وقد يُحرم الجميع من حق التعليم".

واعتبر السيّد أنّ "هذه الإجراءات تُسقط كل الشعارات التربويّة والحقوقيّة التي ترفعها إدارة "أونروا"، وتكشف عن سياسة ممنهجة تستهدف تجهيل الشعب الفلسطيني وضرب أحد أهم مقومات صموده، وهو التعليم، محذرًا من أن تحويل الطلاب إلى ضحايا للتسرّب المدرسي والبطالة والمخدرات يشكّل خطرًا وجوديًا على المجتمع الفلسطيني".

وفي ما يتعلق بالمعلمين والموظفين، شدّد السيد على أنّ""القرار يقصم ظهر الكادر التربوي الذي يعمل أصلًا في ظروف قاهرة، ويعاني من التزامات معيشية وجامعية متراكمة، متسائلًا: كيف يمكن لمعلم أن يؤدي رسالته التربوية وهو يُجبر على العمل براتب منقوص ودافع مكسور؟، محذرًا من أنّ هذا الضغط سيؤدي إلى حالة إحباط عامة وتراجع في الأداء وقتل الدافع المهني".

وأشار إلى أنّ "استهداف المعلم والطالب معًا هو استهداف مباشر للأسرة الفلسطينية والمجتمع ككل، معتبرًا أنّ ما يجري يعكس مقولة مفادها أنّ هدم المجتمعات يبدأ بهدم التعليم والأسرة، ومؤكدًا أنّ هذا القرار لا يقل خطورة، من حيث الأثر، عن الجرائم الجماعية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني".

ولفت السيد إلى أنّ "الخطير في هذا القرار أنه يضع الموظف الفلسطيني في مواجهة مجتمعه، باعتباره الواجهة المباشرة لتقديم الخدمات، في حين يجري فعليًا ضرب الموظف مع عائلته ومعيشته".

وختم بالقول إنّ "المفوض العام، الذي كان على مشارف مغادرة منصبه، كان بإمكانه تجنب اتخاذ هذا القرار وترك ملف الموازنة للإدارة التي تليه، معتبرًا أنّ ما صدر في المرحلة الأخيرة، من تغيير للمناهج، وتشديد سياسات "الحيادية"، وفصل وملاحقة موظفين بسبب مواقفهم الوطنية وتعبيرهم عن تضامنهم مع غزة، وصولًا إلى فصل مئات الموظفين في القطاع، يكشف عن نهج واضح لإدارة تسير، بالتنسيق مع مدراء ميدانيين، نحو تفريغ الأونروا من مضمونها وإنهاء دورها كشاهد على قضية اللاجئين".
المخيمات على حافة الانفجار

من جهته،حذّر سامي حمود، مدير منظمة "ثابت" لحق العودة، من التداعيات الخطيرة لقرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" القاضي بتقليص ساعات العمل وما يرافقه من خفض في مستوى الخدمات، معتبرًا أنّ هذا القرار يهدّد اللاجئين الفلسطينيين في أساسيات حياتهم، ويمسّ كرامتهم وأمنهم الإنساني بشكل مباشر".

وأوضح حمود أنّ "تقليص ساعات العمل لا يُعدّ إجراءً إداريًا عابرًا، بل ينعكس تعطيلًا فعليًا للخدمات الحيوية، ويؤدي إلى تعميق معاناة آلاف العائلات الفلسطينية في المخيمات، التي تُترك لمواجهة مصيرها وحدها في ظل أوضاع معيشية واقتصادية خانقة".

وأشار إلى أنّ "أخطر ما يثير القلق هو الاستهداف الممنهج لقطاع التعليم، الذي يُشكّل ركيزة أساسية في صمود المجتمع الفلسطيني، محذّرًا من أنّ أي تراجع في هذا القطاع سينعكس سلبًا على أجيال كاملة".

كما نبّه إلى أنّ "القطاع الصحي مهدّد بالدخول في حالة شلل جزئي، في وقت تُعدّ فيه الخدمات الاجتماعية شريان حياة للفئات الأكثر فقرًا وهشاشة داخل المخيمات".

وشدّد حمود على أنّ "أي تقليص في هذه القطاعات سيؤدي إلى انهيار تدريجي في البنية الاجتماعية للمخيمات الفلسطينية، داعيًا أونروا إلى وقف هذا القرار فورًا، وعدم تحميل اللاجئ الفلسطيني ثمن العجز المالي أو الإداري الذي تعانيه الوكالة".

وفي هذا السياق، حمّل حمّود الجهات المانحة مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية، مطالبًا بتوفير التمويل الكافي للأونروا دون إخضاعه لأي ابتزاز أو شروط سياسية، كما دعا إلى إقرار خطة إنقاذ عاجلة تحول دون انهيار الخدمات، وتحفظ الدور الأساسي للأونروا باعتبارها شاهدًا سياسيًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة".

وختم بالتأكيد على أنّ "حالة القلق والغضب في أوساط اللاجئين تتصاعد، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات لا يمكن التعامل معها كخطوات مالية بحتة، بل كرسائل خطيرة تمسّ وجود المخيمات ودور أونروا".

وأضاف: "لن نقبل أن يصبح اللاجئ الحلقة الأضعف أو أداة ضغط، فالمخيمات باقية، وحق العودة غير قابل للمساومة".

ويأتي قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بتقليص ساعات العمل الأسبوعية لموظفيها بنسبة 20%، في سياق أزمة مالية غير مسبوقة بحسب ما أكده المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني، الذي أشار في رسالة داخلية إلى الموظفين إلى عجز متوقع في ميزانية البرامج لعام 2026 يُقدّر بنحو 220 مليون دولار، نتيجة تعليق التمويل من جهات مانحة رئيسية، إلى جانب التراجع العالمي في التمويل الإنساني واستمرار الضغوط السياسية على الوكالة.

وبحسب الرسالة، فإن تقليص ساعات العمل سيطال معظم الموظفين المحليين في كافة أقاليم العمليات، مع تعديل الرواتب تبعًا لذلك، ما سينعكس مباشرة على مستوى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية المقدّمة للاجئين الفلسطينيين، في وقت تصف فيه إدارة الوكالة الوضع المالي بأنه "هش وغير مستدام".

وفي لبنان، يتقاطع قرار تقليص الخدمات مع حالة غضب شعبي متراكمة تجاه سياسات مديرة شؤون أونروا في لبنان دوروثي كلاوس، التي تواجه منذ أشهر انتقادات واسعة من لجان شعبية، ونقابات موظفين، وأطر تعليمية، على خلفية ما يعتبرونه نهجًا إداريًا صارمًا يتجاهل الواقع المعيشي للاجئين وموظفي الوكالة.

وتتهم أوساط فلسطينية كلاوس باتباع سياسة تشدد مالي وتنفيذي تُترجم عمليًا بتقليص الخدمات، والتشدد في تطبيق ما يُعرف بـ"سياسة الحيادية"، وقرارات فصل وملاحقة بحق موظفين على خلفية مواقفهم السياسية أو تعبيرهم عن تضامنهم مع غزة، إضافة إلى تغييرات طالت المناهج التعليمية وأسلوب إدارة المدارس، ما فاقم حالة الاحتقان داخل المخيمات.
google-playkhamsatmostaqltradent