الكويت - سيف الدين باكير
يرى مراقبون حاورتهم "قدس برس"، اليوم الأحد، أن الأحداث في فنزويلا تشكل جزءًا من خطة أمريكية استراتيجية لإعادة فرض الهيمنة على النظام الدولي، بحيث تصبح نصف الكرة الغربي منطقة خاضعة للنفوذ الأمريكي حصريًا.
وأشار المراقبون إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يلعب دورًا محوريًا ضمن هذه المعادلة، حيث تعمل واشنطن وحليفها على كبح أي محور دولي قد يعارض مصالحهما، سواء من موسكو وبكين أو القوى الإقليمية مثل إيران.
استراتيجية أوسع لمواجهة مشروع "تعدد الأقطاب"
وقال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق إن المعادلة التي رسمها دونالد ترامب خلال ولايته الأولى تقوم على فكرة أساسية، وهي إزالة أي نظام دولي يعادي المنظومة الأمريكية، سواء في سياستها الخارجية أو في علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي بشكل خاص.
وأشار القيق في حديث لـ"قدس برس" إلى أن "الحشودات القائمة في الكاريبي ليست مجرد محاولة لتقسيم البلاد أو السيطرة على ثرواتها، مع إبقاء حالة الاقتتال الداخلي، بل هي جزء من استراتيجية أوسع للهيمنة الأمريكية على عديد من دول أمريكا اللاتينية، في مواجهة مشروع تعدد الأقطاب الذي تدعمه الصين وروسيا وتركيا وإيران".
وأضاف أن "ما يحدث يوحي وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا بين ترامب ونتنياهو لتغيير موازين القوة عالميًا، بينما تتركز الأنظار الآن على إيران وسوريا ولبنان وتركيا، في إطار محاولة لكسر أي محور قد يقف في وجه (إسرائيل) أو الولايات المتحدة، أو يعزز قوة المعادلة التي تحاول القوى الكبرى الأخرى كسرها".
وأوضح القيق أن "الضربة الأمريكية لفنزويلا تمثل ضربة معنوية وإعلامية، ثم سياسية وعسكرية، في ظل رؤية ترامب للشرق الأوسط الجديد على أنه جزء من معادلة أكبر تشمل أمريكا اللاتينية وأوروبا، كما برز ذلك من خلال تحركاته في جرينلاند وإرسال مبعوث خاص لها".
وختم بالقول إن استراتيجية ترامب تقوم على مبدأ السلام عبر القوة، أي أن أمن الولايات المتحدة وازدهار اقتصادها مرتبط بفرض هيمنة واضحة على الساحة الدولية، مضيفًا أن "التحركات لن تتوقف عند فنزويلا فقط، إذ يُتوقع أن تتوسع لتطال مناطق أخرى، وربما تتحرك (إسرائيل) بالتزامن مع هذه الخطط".
وقال الباحث في العلاقات الدولية أدهم أبو سلمية إن "ما يجري في فنزويلا يتجاوز بكثير مسألة السيطرة على الموارد أو الاستحواذ على النفط، رغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يُقدّر بنحو 530 مليار برميل من النفط الثقيل".
واعتبر أن "اختزال التدخل الأمريكي في هذا البعد الاقتصادي يشكّل تسطيحًا مخلًا بالمشهد الاستراتيجي".
شرطي ناظم للنظام الدولي
وأوضح أبو سلمية في حديث مع "قدس برس" أن ما يحدث هو رسالة نارية موجّهة بالأساس إلى بكين وموسكو، وإلى دول العالم كافة، مفادها أن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة لم ينتهِ، بل يعود بصيغة أكثر صلابة، وأن الولايات المتحدة تعيد فرض نفسها بوصفها "الشرطي الناظم" للنظام الدولي، بدءًا من النصف الغربي للكرة الأرضية.
وأشار إلى أن النفط، في إطار ما أسمته إدارة ترامب استراتيجية "العزم المطلق"، لا يمثل الهدف النهائي، بل يشكّل وقودًا لتمويل العملية وأداة ضمن مخزون الطوارئ الاستراتيجي الأمريكي، في سياق أوسع يهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي.
أما الهدف الحقيقي، وفق أبو سلمية، فهو نسف البنية التحتية لمشروع التعددية القطبية في نصف الكرة الغربي.
وبيّن أن ما نشهده لا يمكن وصفه بعملية "سطو" تقليدية، بل هو تدشين عملي لما سماه "نسخة ترامب من مبدأ مونرو"، ذلك المبدأ الذي نشأ في القرن التاسع عشر لحماية الأمريكيتين من الاستعمار الأوروبي، لكنه يعود اليوم برؤية أكثر عدوانية، كما ورد صراحة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025.
وأضاف أن العقيدة الجديدة تعتبر نصف الكرة الغربي منطقة محرّمة على النفوذ الصيني والروسي، بل وحتى على قوى إقليمية مثل إيران، وهو ما يعني إعادة هندسة قسرية للنظام الدولي، تتجاوز القواعد والأعراف التي استقر عليها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
واعتبر أبو سلمية أن فنزويلا تمثل رأس الجسر لموسكو وبكين في "الحديقة الخلفية" لواشنطن، في مقابل محاولات أمريكية سابقة للاقتراب من ساحات النفوذ الحيوي للصين وروسيا، سواء عبر ملف تايوان أو تمدد حلف الناتو في شرق أوروبا وأوكرانيا.
ويتابع : "ومن هذا المنطلق، سعت بكين وموسكو إلى توسيع حضورهما في أمريكا اللاتينية عبر دول مناهِضة للسياسات الأمريكية، مثل فنزويلا".
وأكد أن ترامب، من خلال عملية "العزم المطلق"، أراد توجيه ضربة استباقية تقطع الطريق على هذا التمدد، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن زمن التوسع الناعم قد انتهى، وأن أي مشروع لعالم متعدد الأقطاب لن يُسمح له بالتمركز في الأمريكيتين.
وختم أبو سلمية بالقول إن الموارد، وفي مقدمتها النفط، ليست سوى غنيمة جانبية في سياق أوسع يتمثل في إعادة هندسة النظام الدولي، وتعقيم الجغرافيا السياسية للمجال الحيوي الأمريكي، مع استعداد واشنطن لكسر كل المحرمات القانونية والسياسية لمنع ولادة نظام عالمي لا تكون فيه الولايات المتحدة طرفًا فحسب، بل القوة المهيمنة عليه.

