أبو شريف رباح
13/1/2026
في مشهد يعجز العقل عن استيعابه، تترك غزة وحيدة في مواجهة موت مركب، موت يأتي من السماء عبر القصف الإسرائيلي، ومو~تٍ يهبط من الغيم عبر برد قارس ورياح تقتلع خياما لم تعد تقي أطفالها من التجمد، بين منخفض جوي قاسي ومنخفض سياسي وأخلاقي أشد قسوة، يباد شعب على مرأى ومسمع من أمة كانت يوما ما تقود العالم.
أين هي تلك الأمة التي وصلت جيوشها إلى تخوم الصين، وأين الأمة التي فتحت الأندلس وحررت بيت المقدس، أين أمة المعتصم وصلاح الدين؟ أسئلة تتردد كالصدى في وجدان كل حر وشريف، بينما الخيام تتطاير فوق رؤوس النازحين والجدران المدمرة تسقط على أجساد أنهكها الجوع والحصار والبرد، ليست فقط بسبب العدوان الإسرائيلي، بل بسبب الصمت العربي والإسلامي وخنوع أمة شلت إرادتها.
لم تتوقف قلوب أطفال غزة بسبب مرض عضال، ولم تزهق أرواحهم بفعل الصو~~اريخ والقذ~ائف بل تجمّد الدم في عروقهم من شدة البرد، فماتوا لأن الخيمة لم تكن بيتا ولأن العالم قرر أن يشيح بوجهه عن مأساتهم، آلاف الشاحنات المحمّلة بالغذاء والدواء والمساكن الجاهزة تقف عند معبر رفح في انتظار قرار سياسي لم يأتي، كيف يمكن تصديق أن أمتين عربية وإسلامية تعجزان عن إدخال ما يبقي الأطفال أحياء، وكيف يستباح الإسلام في بيت المقدس ويذ~بح المسلمون في غزة ولا يتحرك في الأمة معتصم واحد، ولا ينهض فيها صلاح جديد؟ مشاهد الموت في غزة كثيرة فالموت واحد وإن تعددت أسبابه، فمنهم من است♡شهد تحت القصف ومنهم من قضى تحت التعذ~~يب ومنهم من مات جوعا ومنهم من تجمد بردا، والمأساة لم تعد في عدد الش♡هداء بل في اعتياد المشهد، وفي تحول صور الأطفال تحت الأنقاض إلى خبر عابر، والنزيف اليومي إلى روتين إعلامي بارد.
ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الانهيار السياسي والأخلاقي في النظامين العربي والإسلامي، فالعجز لم يعد عجز إمكانات بل عجز قرار وإرادة حين تتكدس الشاحنات على المعابر وتتوافر القدرة على كسر الحصار الإنساني ويغيب الفعل يصبح الصمت شراكة في الجريمة، إن الاحتلال الإسرائيلي لا يعمل في فراغ بل يستند إلى مظلة أمريكية وإلى وهن عربي وإسلامي غير مسبوق، حول الدم الفلسطيني إلى رقم والمأساة إلى مشهد مألوف، والأخطر من القصف هو تطبيع المأساة ومن العدوان اعتياد العجز، حيث تدار الكارثة ببيانات الشجب، بينما يترك المدنيون أطفالا ونساء وشيوخا يواجهون مصيرهم بين المنخفضات.
لا نطلب المستحيل بل نطالب بحق أهالي غزة في الحياة، نطالب بسقفا يحمي أطفالهم من البرد، ودواء يمنع موتهم البطيء، وموقفا يوقف نزيفهم المتواصل، ما يحدث في غزة هو جر~يمة مزدوجة، إبا.د.ة ينفذها الاحتلال، وصمت عربي ودولي يشرعنها، ولكن نؤمن انه سيأتي يوم تفتح فيه صفحات التاريخ، لا لتسأل من قصف غزة فقط، بل من خذلها، ومن رأى الأطفال يتجمدون ولم يتحرك، ومن امتلك القدرة واختار الصمت، وهناك لن تنفع الخطب، ولن تجدي بيانات الإدانة لان غزة ستبقى شاهدا حيا لا على وح..شية الاحتلال وعلى موت ضمير أمة تركتها وحيدة بين برد السماء وقسوة الإ.با.دة.

