recent
أخبار ساخنة

حين تقرر القوة لا القانون فنزويلا نموذجاً لعالم بلا ضوابط




ما يجري في كاراكاس ليس أزمة داخلية، بل إعلان صريح عن نهاية النظام الدولي القائم على القواعد.

ما يحدث في فنزويلا لا يمكن اختزاله في صراع سياسي داخلي أو أزمة حكم عابرة، بل يشكّل لحظة كاشفة لانهيار منظومة دولية كاملة، طالما ادّعت حماية السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. في كاراكاس اليوم، تُدار السياسة بلغة القوة، وتُقاس الدول بثقل مواردها، لا بمكانتها القانونية أو بحقوق شعوبها.

فنزويلا، بما تمتلكه من أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، تحولت إلى اختبار عملي لفكرة طالما جرى تجاهلها: هل ما زال للقانون الدولي معنى حين تتقاطع مصالح الإمبراطوريات؟ أم أن العالم دخل مرحلة جديدة تُحسم فيها النزاعات بمنطق الغلبة والابتلاع؟

النفط… جوهر الصراع
ليست فنزويلا هدفاً سياسياً بقدر ما هي غنيمة طاقوية. فالسيطرة على نفطها تعني عملياً إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي، وتقويض دور منظمة أوبك، ومنح الولايات المتحدة قدرة شبه مطلقة على التحكم بالإنتاج والأسعار. وفي حال أضيف نفط فنزويلا إلى القدرات الأمريكية، فإن واشنطن لن تكون مجرد لاعب أول في السوق، بل صانعة قواعده.

هذه المعادلة لا تهدد خصوم أمريكا فحسب، بل تضرب في العمق اقتصادات الدول الريعية، خصوصاً تلك التي أودعت احتياطاتها في النظام المالي الغربي، ما يجعل ثرواتها عرضة للضغط السياسي في أي لحظة.

واشنطن ومنطق القوة
التحركات الأمريكية تجاه كاراكاس، من العقوبات الخانقة إلى العزل السياسي والتهديد بالتدخل، لا يمكن قراءتها خارج سياق أوسع عنوانه إعادة إحياء مبدأ “أمريكا للأمريكيين”. فالديمقراطية هنا ليست سوى غطاء سياسي، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة ضبط النفوذ في “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، ومنع أي اختراق روسي أو صيني طويل الأمد.

روسيا: حضور محسوب لا مواجهة
المقارنة بين فنزويلا وسوريا تطرح كثيراً، لكن الواقع مختلف. فروسيا لا تمتلك في فنزويلا عمقاً عسكرياً أو قواعد راسخة، بل مصالح نفطية ونفوذاً سياسياً محدوداً. لذلك تتعامل موسكو بمنطق إدارة الخسائر لا خوض المواجهات، مفضلة الاحتفاظ بأوراق ضغط بدل الدخول في صدام مباشر مع واشنطن في ساحة تعتبرها الأخيرة مجالاً حيوياً.

الصين: براغماتية القوة الصاعدة
الصين، من جهتها، تتحرك بمنطق التاجر الاستراتيجي. استثمرت مليارات الدولارات في فنزويلا، لكنها تتجنب التصعيد، مكتفية بحماية مصالحها الاقتصادية قدر الإمكان. غير أن بكين تدرك أن أي سابقة تُسجَّل في فنزويلا قد تنعكس لاحقاً على ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها تايوان، حيث تراقب بدقة مدى استعداد الولايات المتحدة لإدارة صراعات متزامنة.

أمريكا اللاتينية… الخوف من الدور القادم
البرازيل والأرجنتين ودول كبرى أخرى في القارة تتابع المشهد بقلق صامت. فإسقاط فنزويلا بالقوة أو عبر الضغط الاقتصادي سيعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من التدخلات، ويؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها السيادة مرهونة برضا القوة الكبرى.

عالم بلا ضوابط
الخطر الحقيقي في فنزويلا لا يكمن في مصير نظام أو رئيس، بل في السابقة. فإذا قُبل أن تُفكك دولة غنية بالموارد تحت ذريعة السياسة، فإن الباب سيفتح أمام:
 • تمدد صيني نحو تايوان،
 • توسع روسي في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق،
 • اندفاع قوى إقليمية لفرض نفوذها بالقوة،
 • وتآكل متسارع لدور الأمم المتحدة والقانون الدولي.



فنزويلا ليست أزمة معزولة، بل مرآة لعالم يدخل مرحلة الافتراس المفتوح، حيث يفرض القوي شروطه، وتتحول الثروات إلى لعنة، وتغيب القواعد لصالح منطق القوة. إنها لحظة فارقة، لا تخص كاراكاس وحدها، بل تنذر بما هو آتٍ لنظام دولي يفقد آخر ضوابطه.

الاء عليان
google-playkhamsatmostaqltradent