تشهد الساحة الفلسطينية في لبنان طفرة إعلامية غير مسبوقة ، وقد تكاثرت وسائل الاعلام وتزايد عدد الاعلاميين وأصبحت الصحافة مجالا لعمل أفراد ، تنفيذا لرغبة أو هواية ، أو تنفيذا لقرار مسؤول تنظيمي ، وهذا ما يجعلها تعيش حالة من الفوضى وعدم القدرة على التأثير وعدم القدرة على تأدية مهمتها وتحقيق أهدافها بنجاح.
وفي ظل أوضاع الشرذمة والتراجع والاهتراء السياسي والأمني والثقافي والاقتصادي الفلسطيني في لبنان ، يصبح الاعلام دون إهداف ولا يتبع قوانين وليست لديه قدرة على التأثير في الرأي العام ولا يستطيع أيضا المساهمة في صنع القرار من خلال توطيد العلاقة بين الاعلاميين والقادة السياسيين .
فمعظم وسائل الاعلام الفلسطينية قليلا أو نادرا ما تقرأ من قبل القيادات إلا من خلال البحث عن صورهم وصور احتفالاتهم ، ووسيلة الاعلام لا تشكل لبعض القيادات الفلسطينية منبرا للبحث والمعرفة والوعي بل هي منبرا لنشر أخبارها وصورها ولا بد منه تماشيا مع القوانين العامة بضرورة وجود موقع إلكتروني أو مجلة أو جريدة .
كما أن الرأي العام الفلسطيني لا يرى منابر إعلام الفصائل معبرة عن مصالحه وحقوقه ، فما يكتب بواد وما يعاني منه الشعب بواد آخر وهو يعلم أنها منابر "الفصائل" ومنابر قيادتها ومضمونها لا يختلف عن خطاباتهم وتصريحاتهم .
من هنا لابد من العودة إلى أصول العمل الصحفي والاعلامي وتأثيره على الرأي العام ولابد من مطالبة الاعلاميين الفلسطينيين بتأهيل أنفسهم ووعي عملهم والبحث عما يطور مواقعهم ونشاطهم خدمة للإعلام والقضية ومن أجل أن يكون الاعلام خدمة للشعب والقضية والحقوق وليس خدمة لصور مسؤول أواحتفالات تنظيم.
وتؤدي وسائل الاعلام أحد دورين أو الاثنين معا ، إما أن تكون تحريضية ودفع الرأي العام للوعي والمعرفة كما كانت مجلات وصحف فلسطين الثورة والهدف والحرية وغيرها من وسائل الاعلام مثل إذاعة صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية، وإما توثيقية كما هي نشرات مركز الأبحاث والتخطيط ومؤسسة الدراسات وغيرها.
وتعددت مفاهيم الاعلام وتعاريفه لدى الأوساط المختلفة ، فالاعلام هو تزويد الرأي العام بالمعلومات والحقائق الكفيلة بتوعيتهم وتوسيع آفاقهم ، والاعلام يزود الرأي العام بأكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة والواضحة وهو العملية التي يترتب عليها نشر الاخبار والمعلومات الدقيقة التي ترتكز على الدقة والصدق والصراحة ومخاطبة العقول وعواطفهم .
وقد احتل الاعلام مكانة مرموقة، لما يمتلكه من قدرة على التأثير والاقناع، وتشكيل المواقف، وصياغة الرأي العام، واصبح الإعلام اليوم عاملاً متزايد الاهمية في التطوير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ويمكن القول أن التطور الكبير الذي طرأ على وسائل الإعلام والتكنولوجيا ساهم في ظهور وسائل أعلام وتقنيات حديثة تتميز بعنصر السرعة في نقل الخبر والمعلومة، مما جعله يخترق الحدود والحواجز، ويصل إلى جميع الناس من خلال استخدام وسائل جديدة مثل الانترنت، والموبايل وبرامجهما وهذا عزز من دور الاعلام في المجالات كافة خاصة المجال السياسي
وقد تطور الإعلام السياسي مع تطور وسائل الإعلام المختلفة إذ أصبح يهتم بكيفية توظيف واستغلال تلك الوسائل في العملية السياسية، ويقوم بنقل وتحليل النشاطات السياسية وإتاحة المجال أمام السياسيين وقادة الرأي للحصول على المعلومات ، وتلقي ردود أفعال الناس نحو سياساتهم وقراراتهم ومواقفهم، مما عزز العمليات والخطوات المصاحبة لصنع القرار السياسي فضلاً عن اعتماد الناس عليها في تكوينه واعتقاده واتجاهاته ومواقفه المختلفة إزاء الأحداث والسياسات التي تقع داخل الواقع المحيط به.
لاشك بأن هناك علاقة وثيقة بين الرأي العام والاعلام ، فكلما تقدم الاعلام في مضمونه وطرق تواصله كلما كان تأثيرة في الرأي العام اكبر واوسع وكلما زادت الثقافة والتنشئة والتنمية السياسية كان تفاعل الجمهور اكبر مع الاعلام السياسي ذلك لأن فرص تأثير وسائل الاعلام وتشكيل الرأي العام كبيرة جدا في الأوساط المختلفة .
ويمكن تعريف الإعلام السياسي بأنه أحد فروع الإعلام الذي يتميز بقدرته على التأثير والتغيير والاقناع ويهتم بتغطية الموضوعات السياسية وهو يسعى ايضاً لتحقيق أهداف سياسية وهو يعتبر من الادوات الفعالة التي يعتمد عليها أي نظام سياسي لتحقيق استراتيجياته المختلفة. ويهدف الاعلام السياسي الى التأثير في الرأي العام ، حيث يستهدف تحقيق أهداف معينة على المستويين الوطني والدولي.
وهناك علاقة وطيدة بين الإعلام السياسي والعملية السياسية ، حيث تعتبر وسائل الإعلام حلقة الوصل بين الجمهور والقيادة السياسية، وهذه الوسائل هي التي تسهم بدرجة كبيرة في إنجاح او فشل القيادة السياسية من خلال الوظائف والأنشطة السياسية التي تقوم بها. ومن دون الإعلام لا يمكن للقيادة السياسية ان تمارس دوراً قوياً وفاعلاً وهي مرهونة بتأثير وسائلها الاعلامية على الرأي العام التي من الممكن أن ترفع من قدرتها وشأنها وتطور عملها ، أو تسقطها وتشوه مشاريعها وتكون سببا لسقوطها .
للإعلام السياسي أهداف وغايات محددة ومرسومة ، فالسياسي يتحدث الى الناس من خلال وسائل الاعلام ،كما أن الأفراد يشاركون في العملية السياسية ، من خلال وسائل الإعلام ، من أجل التعبير عن آرائهم تجاه القضايا الوطنية، لذلك فإن تدفق المعلومات من وسائل الإعلام الى قادة الرأي تعتبر هي الوسيلة المثلى للاعلام السياسي.
وأمام المفاهيم والقوانين العامة للصحافة والاعلام ، لا بد من السؤال ، نحن اليوم أمام أي إعلام فلسطيني في لبنان ، وماذا نريد من الاعلام وماذا تريد قيادة الفصائل من وسائل الاعلام التي تشكلها ؟ ما هي أهداف هذا الاعلام ومن هي كادراته وما هي وسائله ، وهل هو إعلام توثيقي ويشكل مرجعا للباحثين أم إعلام تحريضي يرفع من مستوى وعي الشعب لمصالحه ؟ ربما لا إجابة على هذه الأسئلة لأن قيادة الفصائل تتهرب من الاجابة إن لم يكن ليس في مقدروها الاجابة ، خاصة وأن تلك إجابات تتطلب حلقات الحوار والنقاش لتحديد كل ذلك وهذا أمر متعسر لأن المشكلة مشكلة وعي وإبداع واحتراف مفقود على الساحة الفلسطينية في لبنان .
فالاعلام السياسي ، علم يجب على الاعلاميين الفلسطينيين إتقانه والاطلاع عليه والابداع فيه ، وتأهيل أنفسهم لهذا العمل الشاق والمتعب والمثمر على الصعيد الوطني العام ، وبقاء الوضع على حاله يجعل دور الاعلاميين ويفقد الاعلام قيمته ودوره ويصبح الاعلام مهمشا والاعلاميين مجرد عناصر في "كتائب الاعلام" تحت قيادة مسؤول شاء القدر أن يكون في مكانه .
وبقاء الوضع الاعلامي الفلسطيني في لبنان على حاله ستكون له نتائج كارثية:
أولا على الصحفي والاعلامي الذي سيشوه نفسه وعمله وموقعه ولا يكون في مقدوره الانتاج والتأثير والرقي ، إن لم يعمل على تطوير ذاته ووعيه وتنظيم عمله وقدراته، ويكثر الاطلاع والقراءة والمعرفة.
وثانيا سيكون لبقاء الوضع على حاله نتائج كارثية على القيادة الفلسطينية في لبنان والتي لا يلعب اعلامها دورا في تنمية قدراتها ووعيها ولا ينقل موقفها وسياستها بشكل دقيق ومؤثر في الأوساط الشعبية وأوساط الرأي العام ولا يمكن الاعتماد على إعلامها باتخاذ قرار أو الاستناد له كمصدر لمعرفتها ووعي ما يجري حولها .
وثالثا ، سيكون لبقاء الوضع الاعلامي الفلسطيني في لبنان على حاله نتائج كارثية على الشعب الفلسطيني من خلال تشويه وعيه وعدم القدرة على تنمية قدراته ووعي مصالحه وتعزيز الروح الوطنية ومتابعته للتطورات .
المشهد الاعلامي الفلسطيني في لبنان اليوم ينذر بمخاطر كبيرة لا تقل عن تلك المخاطر الامنية والاقتصادية والسياسية التي يتعرض لها شعبنا في لبنان ، خاصة وأن للاعلام دور ريادي في كل مراحل الشعوب وفي كل تطوراتها وأمام كل التحديات ، وإن لم يستطع الاعلام الفلسطيني أن يلعب دوره الريادي ، فستكون الكوراث قاسية ، ولن يكون في قدرة الاعلام الفلسطيني على مواكبة تطورات القضية الفلسطينية والسياسة الفلسطينية عامة ، وهذا ما يؤدي إلى تجهيل الشعب وتغييبه عما يجري ، وهذا بدوره يجعله أمام مخاطر الجريمة والارهاب والفساد والمخدرات والهجرة والجهل .

