اسلوب رخيص و غير مستغرب من الادارة الامريكية الحالية باستخدامها التهديد
المباشر ضد الدول الفقيرة و الواقعة تحت " رحمة " مساعداتها عبر تخيير تلك
الدول اما بالرضوخ لسياساتها بشأن القدس و دعم كيان الاحتلال و اما وقف المساعدات
التي تقدمها لهم و التي تكلفهم استقلالهم و حرية مواقفهم . هذا الاسلوب السوقي
الذي اتبعته ادارة الرجل المريض عقليا و الحاكم لاقوى دولة في العالم تتطلب من
الدول الصغيرة الوقوف امام نفسها ، و معرفة المغزى من المساعدات الامريكية التي تقدم
لهم ، كونها مساعدات لا تقدم كهبة و بلا مقابل ، بل مساعدات تكلفهم خسارة استقلاليتهم
و التدخل في سياساتهم و اقتصادهم و حتى في ثقافاتهم و تفكيرهم . هذه الدول يجب
ان تبحث عن القيم المحلية و القدرات الذاتية و تنظم اوضاعها الاقتصادية و تمنع
الفساد في اداراتها حتى تكتفي ذاتيا و تحافظ على كرامتها الوطنية و استقلالها الحقيقي .
و الا سيفرض هذا الامريكي الوقح سياساته و رغباته على تلك الدول مما يجعلها ناقصة
السيادة و مسلوبة الارادة . بعد هذه البلطجة الامريكية المكشوفة يتوجب على الدول جمعاء
فقيرها و غنيها صغيرها و كبيرها ان توقف هذا الطغيان و التغول من قبل حفنة من الدول
بعدد اصابع اليد الواحدة . و تمنع هذه الدول من التحكم بالامن الدولي و تعطل القضايا
العادلة في كافة القارات و لا سيما اعدل قضية على وجه الارض و هي القضية الفلسطينية .
لقد تحكمت تلك الدول بمصير العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، من خلال ما يدرج
على تسميته "حق" النقض الفيتو و هو على النقيض من الحق بل هو الباطل بعينه .
فحتى الدول العشر غير دائمة العضوية ليس لها الحق في النقض . أي قانون و اية شريعة
تمنح تلك الدول هذا الحق و تمنعه عن الدول الاخرى كالدول الاسلامية او دول امريكا اللاتينية
او الافريقية ؟ ان عدد السكان في القارة الافريقية يجاوز مليار نسمة و ليس فيهم عضو
دائم واحد في مجلس الامن بينما اوروبا التي يبلغ عدد سكانها 750 مليون يمثلها ثلاث
دول دائمي العضوية هم فرنسا و بريطانيا و روسيا . كذلك فإن عدد سكان امريكا اللاتينية
مع دول البحر الكاريبي يبلغون حوالي 700 مليون نسمة و ليس لهم اي عضو دائم
بينما عدد سكان الولايات المتحدة الامريكيه يبلغ 320 مليون اقل من النصف و لهم عضو دائم !
و عدد سكان روسيا الاتحادية 144 مليون نسمة و يمثلهم عضو دائم في مجلس الامن .
و عدد سكان فرنسا 67 مليون و عدد سكان المملكة المتحدة 65 مليون و لكل منهما عضو دائم.
اما آسيا فإن عدد السكان الاجمالي للقارة حوالي 4 مليار نسمة تتمثل بعضو دائم واحد
الصين التي يقطنها مليار و 300 مليون . بينما الهند التي يبلغ عدد سكانها مليار و 250
مليون لا يمثلها عضو دائم . في حين يبلغ عدد المسلمين مليار و 650 مليون نسمة تتقدمهم
اندونيسيا 230 مليون ثم الباكستان 175 مليون و بنغلادش 165 مليون . اما عدد السكان
العرب فيقدر 400 مليون تتقدمهم مصر 90 مليون فليس للعرب و المسلمين عضو دائم
واحد في مجلس الامن . هذا الواقع الدولي الغريب ساري المفعول منذ ايار عام 1946
و تم استغلاله بشكل سيئ و خصوصا من قبل روسيا و امريكا . لقد قامت روسيا باستخدام
الفيتو مئة و ثلاث مرات منهم سبع مرات خلال عامي 2016 و2017 ضد مشاريع
قرارات في مجلس الأمن حول الأزمة السورية لدعم الحكومة ، وصوتت الصين
إلى جانب روسيا في مرتين منها . و قامت امريكا باستخدام الفيتو 80 مرة
اكثر من نصفهم ضد القضايا العربيه و خصوصا القضية الفلسطينية . و كما رأينا
قبيل التصويت على القرار بشأن القدس يوم الاثنين 18 كانون الاول ، و خلال
التصويت في الجمعية العمومية يوم الخميس 21 كانون الاول ان الدولة الامريكية
استخدمت التهديد ضد الدول التي تقدم لها مساعدات مما جعل بعض الدول
تتغيب عن الحضور و دول اخرى امتنعت عن التصويت منهم البوسنة و افغانستان
و اوغندا و الباراغواي و دول عارضت منها هندوراس و غواتيمالا . لقد اثرت
التهديدات الامريكية على مواقف بعض الدول التي خضعت للقرصنة الامريكية خوفا
على ما يردها من مساعدات تأخذها مقابل حرية سياستها و كرامتها الوطنية . و لو
كانت الدول العربية الغنية، التي قدمت 460 مليار لترامب ، و عشرات المليارات
لانقاذ الدكتاتوريات و لتعطيل التغيير في البلدان العربية . و التي تشتري لوحة
دافنشي بنصف مليار دولار و منزل فخم بنصف مليار ، و يدفعون المليارات للهو
و المجون و الخلاعة ، لو كان اؤلئك الحكام المجرمون حريصون على مصالح امتهم
و على قضاياهم القومية و مقدساتهم الدينية لكانت الاموال العربية قد وقفت
في وجه البلطجة الامريكية و لكان للامة مكانة مختلفة عما هي عليه الان .
ان العالم المتحضر يواجه حقيقة لطالما حاول الرسميون تجنب اعلانها :
من اعطى تلك الحفنة من الدول حق التحكم بالقرارات الدولية الملزمة ؟!
اكثر من سبعين عاما على التفرد بالمؤسسة الدولية آن لها ان تنتهي و الى الابد .
اما ان يكون لكافة الدول الحق بالاعتراض و اما باكثرية الاصوات و اما بإيقاف
هذه الغطرسة التي لا يقبلها حر سليم العقل في هذا العالم . كيف يكون العرب
الذين يناهزون نصف مليار انسان تقريبا بلا عضو دائم ، و كيف يقبل المسلمون
الذين يقدرون باكثر من مليار و نصف ، بل كيف تقبل الامم الكبيرة و الصغيرة
ان تكون رهينة لكف يرفع من مندوب يمثل واحدة من خمسة دول يعطل فيه
الحق و يقر فيه الباطل . نحن ابناء اعدل قضية على وجه الارض اكثر الشعوب
تضررا من " حق" الفيتو لان امريكا التي تتمتع به تساند عدونا مساندة مطلقة!
و ان الدول الاخرى كفرنسا و انكلترا لن تقف معنا كما يجب ان تكون الى جانب
الى جانب الحق و العدل لانها دول تعترف بكيان الاحتلال و لها علاقات دبلوماسية
معه و لها سياساتها و مصالحها الخاصة التي تتحكم بمواقفها الدولية .
ان كل حر في العالم يجب ان يرفع صوته ضد هذه الغطرسة غير العادلة ،
و يجب ان تنتشر الدعوة في كل انحاء العالم من اجل الغاء الفيتو نهائيا و حرمان
تلك الدول من التحكم بمصائر الشعوب و الدول و بالسياسات و القرارات الدولية .
ماهر الصديق
