
مرت عقود على نكبة فلسطين ، وما زال الشعب الفلسطيني المناضل, شعب الانتفاضة, شعب الكفاح والمقاومة , يواصل رفع شعلة الحرية والاستقلال والعودة , برغم كل الظروف الصعبة والقاسية التي تحيط بقضيته الوطنية , وبالرغم من كل مشاريع التصفية الأمريكية – الصهيونية وما يرافقها من سياسات قمعية منظمة من حصار وقتل وجرح وأبعاد وتدمير واعتقال .
ان الواقع الفلسطيني الملموس , يحمل مضموناً غاية في الأهمية , ويمثل دلالة ذات مغزى عميق, فالديمقراطية كقيمة إنسانية واجتماعية , تمثل منصة انطلاق لا بد منها لأي مجتمع , ولأي قوة سياسية أو لأي حركة ثقافية , أو علمية , أو جماهيرية هدفها التصدي لمعضلات الواقع في شتى الميادين, من أجل بناء مجتمع متماسك وموحد,ليس بفعل الإرهاب والقمع,وإنما كنتيجة لتكامل وتعاضد بناه الاجتماعية والسياسية – والاقتصادية – والثقافية – والروحية , القائمة على الدينامية والنشاط, والإنسان كقيمة ، نقف امام الذكرى السابعه والستون لنكبة فلسطين .
امام التحديات الخطيرة يواجه الشعب الفلسطيني وقضيته في الظروف الراهنة مخاطر باتت تهدد بتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية , وما حققه الشعب الفلسطيني من إنجازات خلال نضاله الطويل, وذلك عبر المحاولات يريد البعض فرضها تحت مبادرات على شعبنا, كخطوة أولى في مسلسل تصفية الصراع الفلسطيني – الصهيوني , والعربي الصهيوني, وترسيخ مرتكزات المشروع الصهيوني في المنطقة .
لذلك فأن ما يطرح اليوم من المشاريع تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني , في ظل للأسف الانقسام الفلسطيني الداخلي الحاد, الذي يعود في سببه المباشر الى مشروعين في الساحة الفلسطينيه, المشروع الوطني التحرري,ومشروع الاخوان المسلمين ، رغم ان الشعب الفلسطيني بفصائله وقواه يتمسكون بالمشروع الوطني والثوابت الفلسطينية حق العودة وتقرير المصير والدولة, بما في ذلك عدم التخلي عن القدس بكل ما تمثله من معاني ودلالات تاريخية وروحية ووطنية وعاصمة لدولة فلسطين .
وفي ذات الإطار وبعد سبعة وستون عاما من النكبة يظهر بوضوح عدم الجدية في استثمار إمكانات وطاقات الشعب الفلسطيني وما يتملكه من أوراق قوة, وأولها انه صاحب تجربة غنيه في انتفاضاته ومقاومته الوطنية والشعبيه التي تحظى بالدعم والإسناد المنسجم مع دورها ومكانتها وإنجازاتها في النضال الوطني الفلسطيني, إضافة إلى عدم التوجه الفاعل لتنشيط العمل الكفاحي وبمختلف الأساليب , بالرغم مما يمثله من حلقة محورية أساسية في مواجهة الاحتلال الصهيوني الذي يمارس شتى أنواع العنف والقهر ضد الجماهير الفلسطينية.
إن مظاهر الأزمة الفلسطينية بعدم الوقوف وتقييم التجارب النضاليه التي مرت في مرحلة الكفاح الوطني الفلسطيني ، وفي ظل الرياح التي تعصف في الساحة الفلسطينية في هذه الأيام, وبكل ما ترتب عليها من الأسئلة وإشكالات, ليست عفوية, كما أنها ليست نبتا شيطانيا وليد اللحظة , قد سرّعت من بروزها ,وفاقمت وعمّقت تجلياتها وأبعادها, بمعنى أن الأزمة ما كان لها أن تأخذ هذا المنحى وهذا المستوى من التأثير والفعل السلبي, برغم كل الظروف الموضوعية القاسية والصعبة لو لم تستند هذه الظروف إلى عامل ذاتي, وبنية ذاتية,مرتبكة وهشّة, وغير محصنة, إنها نتاج لازمة سياسيه وتنظيميه وإداريه,حيث ان البعض يساهم بشكل مباشر او غير مباشر في اضعاف منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الكيان السياسي والمعنوي والممثل الشرعي وتفعيل مؤسساتها على ارضية شراكة وطنيه تتلاءم مع متطلبات النضال الوطني باستمرار عبر مراحله المتعددة، بمعنى البعض لا يريد خلق وإيجاد آليات التجديد والتطوير الذاتي باستمرار, بما ينسجم مع تطور الواقع ذاته بعناصره المتعددة,لابد وأن تصل إلى لحظة التناقض بين استحقاقات الواقع الناشئ من جهة, وبين آليات وطرائق , ومناهج العمل التي تخطاها الزمن من جهة أخرى.
وعليه فمن يقرأ بعملية وموضوعية واقع الحركة الوطنية الفلسطينية سيلاحظ بوضوح الواقع الذي تعيشه, نتيجة سلوكية, تفتقد إلى الحيوية,بل وتحولها على أأثقال تعيق تطور النضال الوطني، حيث نجد ممارسة تسود فيها الفردية, والفئوية, والعصبوية,والانتهازية ,واستشراء الفساد, في صياغة القرارات أو تنفيذها .
لاشك بأن هذا الموقف الذي نتحدث عنه ليس سهلاً لتقيم تجربة نضال الشعب الفلسطيني بعد سبع عقود ,ولكن سيرتب عليه تضحيات ونضال طويل,ولكنه بدون شك أيضاً سيوفر على شعبنا آلام وعذابات من اجل العودة الى جذور النضال ,ومواجهة المشاريع الهادفة لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية التي تروج لها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، وان الحل المطروح ان كان من خلال المشروع العربي الفلسطيني الذي رفض سابقا في مجلس الامن,او المشروع الفرنسي أنه حل لتصفية المشروع الوطني الفلسطيني لصالح المشروع الاستعماري الصهيوني، هذا هو جوهر " الحل " المطروح على شعبنا, شعب الشهداء , شعب النضال,الشعب الذي يرزح الآلاف منه في المعتقلات الصهيونية , الشعب الذي تشرد في بقاع الأرض,بينما يتوجه كل عام عشرات الآلاف من اليهود إلى أرضه ليستوطنوا فيها,بعد أن تركوا وتخلوا عن أوطانهم الأصلية .
إذن فإن مجابهة الأخطار السياسية التصفوية,المتمثلة بالمشروع الأمريكي – الصهيوني , وكذلك مجابهة الأزمات والصعوبات التي تعاني منها الحركة الوطنية الفلسطينية على أكثر من مستوى وصعيد تكون عبر إطلاق العملية الديمقراطية بعمقها وشموليتها ورفع الديمقراطية كشعار وهدف تلتف حوله الجماهير, وتغذية الطلائع السياسية , والثقافية , والاجتماعية بمبادراتها , وجهودها باستمرار وخاصة ان مسيرة الشعب الفلسطيني بما تحمل من هموم وآمال وآلام , وطموحات, وتضحيات لن تذهب أدراج الرياح بدون شك ، فهذا الشعب المكافح الصابر الصامد الذي لا ينحني أمام قسوة الظروف.
وفي هذه الظروف التي تتعرض لها القضية الفلسطينية نرى ان عنوان حق العودة باعتباره حقا شخصيا لكل لاجئ فلسطيني هو حق غير قابل للتصرف، وهو عنوان دائم يشغل تفكيركل قائد ومناضل ومواطن ، وموضوع حيّ في أذهان كل الفلسطينيين، ولا نعتقد أن هناك أي حلّ شامل ونهائي للقضية الفلسطينية يمكن أن ينجح ويكون قابلاً للحياة، إذا لم يأخذ بعين الاعتبار حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم وأملاكهم، وفي هذا السياق علينا ألا نغفل دور منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها، في إبقاء هذا العنوان حيّاً، والدفع باتجاه تكريسه كعامل مؤثر من عوامل الصراع والاشتباك التاريخي المفتوح مع “إسرائيل”، التي تسعى دائماً إلى تفتيت الشعب الفلسطيني جغرافياً وسياسياً واجتماعياً، ومن هنا تأتي محاولتها مقايضة حق العودة بوعود غامضة حول الدولة الفلسطينية لشطب قضية اللاجئين، لذلك نحن نؤكد دائماً على دور منظمة التحرير، وأهميتها كمرجعية وطنية عامة، وكمعبّر عن وحدة الشعب الفلسطيني على الرغم من توزعه ما بين أراضي 1948والضفة وغزة والشتات، وعلى الرغم من خصوصيات كل تجمع من هذه التجمعات، ومع هذا الوضع المركّب والمعقّد نحن نطالب دائماً بان تبقى منظمة التحرير الفلسطينية هي العنوان، وتفعيل مؤسساتها لتضم كل القوى في الساحة الفلسطينية، بما فيها القوى الإسلامية، وذلك على أساس الثوابت الوطنية المتمثلة في حق العودة، وتقرير المصير، والدولة المستقلة، وعاصمتها القدس، مع رفض فكرة طرح حل الدولتين الذي يعتبر محصلة للهزائم العربية والفلسطينية المتراكمة، ليس بالمعنى العسكري فقط، وإنما بالمعنى الشامل الذي يعني قصور مجتمعاتنا المتخلفة عن تلبية متطلبات الصراع ضد عدو متقدم.
ان مسيرة نضالنا الوطني تتطلب منا وقفة صادقة لنسأل انفسنا اين نجحنا واين اخطأنا، ومعالجة هذا الموضوع من أجل النهوض مجدداً ، وهذا يستدعي مراجعة نقدية صارمة، ودقيقة وعلمية لكل التجربة، وخاصة من قبل كافة القوى الوطنية والديمقراطية أن تقف أمام هذه المسألة، لأن إمكانيات هذا التيار كبيرة، لكنها باتت مشرذمة، ومشتتة، وبالتالي لا يمكن لها النهوض لتأخذ دورها الفاعل، دون هذه الوقفة النقدية المطلوبة.
علينا أيضاً على ضوء التجربة، الالتفات إلى أهمية الوسائل النضالية الأخرى التي أثبتت فعاليتها، وخاصة في الانتفاضة الأولى حيث برز بشكل واضح أهمية النضال الجماهيري، ودور الثقافة والعلم، والمعرفة، وبناء الأجيال الشابة، لكي تكون على مستوى المهمات الجسيمة المطلوب تحقيقها.
طبعاً نحن ندرك مدى صعوبة المرحلة في ظل الوضع العالمي والوضع العربي الرسمي، وفي ظل الظروف المعقدة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وتعيشها جماهير أمتنا العربية ، وما تشهده اليوم المنطقة من غليان يؤكد أن من الصعوبة بمكان السيطرة على كل هذه الملايين التي تبحث عن العدالة، وعن حقها في الحرية والاستقلال، دون أن ننسى أننا نميز بدقة بين المقاومة الوطنية ضد الاحتلال، وبين أعمال القتل العشوائية بدوافع مذهبية، التي لا تصب إلا في خدمة الاحتلال.
وفي ذات الإطار أيضاً يظهر بوضوح عدم الجدية في استثمار إمكانات وطاقات الشعب الفلسطيني وما يتملكه من أوراق قوة, وأولها المقاومة الشعبية التي لا تحظى بالدعم والإسناد المنسجم مع دورها ومكانتها وإنجازاتها في النضال الوطني الفلسطيني, إضافة إلى عدم التوجه الفاعل لتنشيط العمل الكفاحي وبمختلف الأساليب , بالرغم مما يمثله من حلقة محورية أساسية في مواجهة الاحتلال وقطعان مستوطنيه الذين يمارسون شتى أنواع العنف والقهر ضد الجماهير الفلسطينية .
ان شعبنا الفلسطيني واصل ولا زال يواصل تصديه البطولي ومقاومته المشروعة لمخططات الاستيطان ومصادرة الاراضي الفلسطينية التي لا تزال تستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من ارضه وطمس هويته الوطنية ومهما كانت التحديات والصعاب التي تواجه المسيرة الوطنية في هذه المرحلة فإن الشعب الفلسطيني لن يقبل بتاتا بهذه السياسة الاستيطانية العدوانية سياسة فرض الاملاءات والامر الواقع سياسة الهيمنة المستمدة من لغة الاستعمار وغطرسة القوة.
ان الاستمرار في سياسة مصادرة الاراضي الفلسطينية والاستيطان فيها يتسبب بشكل رئيسي وواضح في خلق اجواء التوتر والكراهية والعنف بإعتباره اعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني مثلما هو اعتداء على قرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي التي ترفض هذه السياسة وتؤيد اقامة السلام العادل والدائم والشامل القائم على مبدأ الارض مقابل السلام والمسستند لحق الشعوب في مقاومة الاحتلال الاجنبي وفي تقرير مصيرها على ارضها.
إن عصر الاستعمار الأمريكي الصهيوني يعاد إنتاجه بوسائل وأساليب جديدة، وهو يحاول أن يجد له طريقاً في فرض شروط الاستسلام والذل والمهانة على الأمة العربية من خلال ادوات ارهابية وتكفيرية . وبالمقابل فإن النموذج الفلسطيني للمقاومة، مدعوما بعمق شعبي قومي عربي، كفيل في تفعيل روح المقاومة والتصدي للمشروع الإمبريالي الأمريكي الصهيوني، والذي يحاول إعادة رسم خارطة العالم وفق المقاييس الأمريكية، وتغليف الهجمة الامبريالية بشعار نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والمضيّ قدماً في تشجيع ودعم الجنرالات الصهاينة لاستكمال حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وحصاره وتجويعه ومحاولات كسر الصمود الفلسطيني وفرض الشروط الإسرائيلية الأمريكية على الشعب الفلسطيني والتي تستهدف أول ما تستهدف حق العودة.
ونحن عندما نقيم تجربة نضاليه نقف ايضا امام الازمة التنظيمية التي تطال مؤسسات م.ت.ف وأطرها, سواء لجهة فاعليتها,أو انتظامها أو لجهة كيفية اتخاذ القرار وآليات تنفيذه , حيث تسود الفردانية, والهيمنة الفئوية , مع غياب الفعل والتفكير الجماعي .
ان الجماهير الفلسطينية التي وقفت من وراء قيادته الشرعية الممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، تقدم لها من ثقتها وتأييدها ودماء ابنائها ، بهدف الاستمرار في المسيرة ، ولكن تطالب أن تبقى راية النضال مشرعة وهي تمنحكم الصلابة والاصرار والصمود ، حتى يرتفع في يوم لا بد انه آت علم فلسطين واعلام العزة والحرية والكرامة فوق كل شبر من الارض الفلسطينية.
التجربة النضاليه الفلسطينية هي تجربة تاريخ مجيد للشعب الفلسطيني على مر السنين. ومنذ بدأت المؤامرة الاستعمارية الصهيونية لسلب الارض وتشريد شعبنا، ونذكر ثورات شعبنا منذ عام 1921 ، ونذكر ابطالا علمونا الثورة، واعطوا دروسا في التضحية والجرأة والوطنية وصولا الى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عشرات الالاف من الشهداء وفي مقدمتهم عمالقة النضال الوطني الفلسطيني الرئيس الرمز الشهيد ياسر عرفات ورفاقه عمالقة هذه الثورة وفي مقدمتهم الحكيم جورج حبش وابو العباس وطلعت يعقوب وابو احمد حلب وابو علي مصطفى وابو جهاد الوزير وابو عدنان قيس وسمير غوشه وسعيد اليوسف وفتحي الشقاقي وعبد الرحيم احمد ومحمود درويش وزهير محسن وقادة الثورات الفلسطينيه قبل النكبة المعلم الثوري الشيخ عز الدين القسام وعبد الرحيم الحاج محمد وعبد القادر الحسيني وغيرهم الكثير من حملة المشاعل الاولى لنضال شعبنا وكافة الشهداء الذين رووا بدمائهم تربة الارض التي طالما اشتاقت لدماء ابنائها ، لتنبت فوقها زهرة الحرية ، كما اسرى واسيرات الحرية في سجون الاحتلال ، سواء في سجنهم الكبير، او في المعتقلات والزنازين، يصمدون في وجه كل محاولات الارهاب والاذلال، ويتطلعون الى جميع الفصائل والقوى ان تبقى شعلة نضال مستمرة .
ختاما لا بد من القول : اذن نحن نقف امام الواقع الفلسطيني بجوانبه المختلفة يضع القوى السياسية أمام أسئلة وتحديات جدية أهمها غياب استراتيجية وطنية تقوم على التوازن بين مهام التحرر الوطني وانهاء الاحتلال وتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ومهام البناء الاجتماعي وتلبية حقوق واحتياجات المجتمع الفلسطيني الاقتصادية والاجتماعيه ، وهذا يستدعي العمل على تعزيز الوحدة الوطنيه وقدرة على النهوض وتجاوز الصعوبات، إضافة إلى تعزيز دور المقاومة الوطنيه بكافة اشكالها وحضورها الجماهيري والأخلاقي والمعنوي في الوعي الجمعي الفلسطيني بكل ما يمثله من رؤية سياسية وثقافية وكفاحية في النضال الوطني الفلسطيني التحرري ، الفلسطيني الذي يقاوم بالحجر، والسكين، ويدوس المستوطنين بسيارته يقاوم من أجل نهضة الأمة العربية كلها، يتطلب منا الخروج من دوائر الأزمة والإحباط، نحو النهوض الوطني الشامل، فهل ستتجاوز القوى السياسية والنخب والحركة الاجتماعية الفلسطينية ذاتها وواقعها المأزوم لكي تؤمن شروط نجاح هذه المهمة الوطنية الكبرى.
كاتب سياسي
